Logo

"الحوثي"... تحدّيات المشهد اليمني الجنوبي وخياراته

 لطالما شكّلت جولات الصراع والإزاحة في معسكر خصومها عاملَ قوة بالنسبة إلى جماعة الحوثي، مكّنها من توظيف الصراعات وبيئة الانقسامات والإزاحة لصالحها. 

إلا أن أبعاد التحوّلات الحالية في جنوب اليمن تتجاوز الصراع التقليدي في بنية المجلس الرئاسي، أي "السلطة الشرعية"، إلى صراع مفتوح بمستوييه المحلّي والإقليمي، بما يعنيه ذلك من إيجاد معادلة جديدة بالنسبة إلى الجماعة بتحدّياتها، وأيضاً بفرصها المحتملة.

تمثّل التحوّلات العسكرية والسياسية التي أفرزها الصراع في جنوب اليمن (سواء على مستوى سلطة المجلس الرئاسي أو تبعاتها) واقعاً جديداً يفرض ثقله على جماعة الحوثي بوصفها طرفاً في المعادلة المحلّية. 

فعلى الصعيد السياسي، حسم السلطة لصالح حلفاء السعودية، وأيضاً تغيير تركيبة المجلس الرئاسي بعد إزاحة "الانتقالي الجنوبي"، وما ترتب عليه من تصعيد قيادات مناوئة للجماعة، يشكّل تحولاً في موازين القوى ضدّ من مصالحها. 

كما أن تثبيت "واحدية السلطة" يعني استعادة المجلس الرئاسي لسيطرته على المناطق المحرّرة وتكريس مرجعية سياسية واحدة على مستوى إدارة الدولة، مما يفقد الجماعة معطىً مهماً، هو استغلال بنية التناقضات لصالحها. 

كذلك فإن ترتيب معسكر "السلطة الشرعية" يحسّن مركزه قوةً تفاوضيةً موحّدةً في مقابل الجماعة.
 
على الصعيد العسكري، وعلى الرغم من تبنّي الجماعة سياسة الحياد في الصراع الذي شهده جنوبي اليمن، فالتزمت بخريطة السيطرة المستقرّة تبعاً للحدود الجغرافية بين شمالي اليمن وجنوبه، أفضت التحوّلات العسكرية الحالية إلى تغيير خريطة السيطرة،

 وأيضاً الانتشار في جميع المناطق اليمنية، أي في مناطق التماسّ مع الجماعة، وصعود قوة جديدة مناوئة لها. إذ إن تولّي القوات السلفية الموالية للسعودية (على اختلاف مكوّناتها) مسؤولية تأمين هذه المناطق يشكّل تحدّياً عسكرياً للجماعة، لأنها قوة ضاربة، وأيضاً لأنها قوة عقائدية مناقضة أيديولوجياً للجماعة.

 عسكرياً أيضاً، فإن سعي سلطة المجلس الرئاسي إلى توحيد تشكيلات القوى العسكرية تحت قيادة موحّدة يمثّل عامل تهديد آخر للجماعة؛ إذ قد يدفعها ذلك إلى مركزة مواردها العسكرية والبشرية لخوض معركة مستقبلية معها في حال رفضت المسار السياسي وفق الشروط السعودية.

إلى ذلك، يشكّل المستوى الاقتصادي الناجم عن التحوّلات في سلطة المجلس الرئاسي أهم التحدّيات التي قد تواجهها جماعة الحوثي، سواء في الوقت الحالي أو على المدى البعيد. 

فإلى جانب أن تثبيت سلطة المجلس الرئاسي يعني، في المقام الأول، توحيد القرار الاقتصادي وتفعيل سياسات اقتصادية موجّهة في إدارة الصراع الاقتصادي مع الجماعة، فإن حسم المجلس الرئاسي السلطة المركزية سيترتب منه سيطرته على موارد الدولة في مناطق الثروات الاستراتيجية، بما في ذلك مناطق الجنوب، ما يضمن تنمية موارد الدولة،

 وبالتالي، تحسين الوضع الاقتصادي في المناطق المحرّرة، في مقابل افتقار الجماعة إلى موارد اقتصادية ثابتة.

إضافة إلى أن المتغيّرات المترتّبة من حسم السلطة وإزاحة المجلس الانتقالي الجنوبي تتضمّن بعداً اقتصادياً لا يصبّ في صالح الجماعة،

 وذلك جراء إرباك شبكة اقتصاد الحرب المستقرّة في مناطق التماس مع جنوبي اليمن، التي كانت تمثّل رئةً اقتصاديةً إضافيةً للجماعة، فيلزمها وقت لبناء شبكة جديدة في هذه المناطق. 

ومن جهة ثانية، فإن التدابير الاقتصادية التي أعلنتها السعودية لدعم سلطة حليفها (بدءاً بضخّ وديعة للبنك المركزي لدفع رواتب القطاعين المدني والعسكري التابعَين للسعودية)، 

بما في ذلك إعلان تنفيذ مشاريع تنموية في المدى القريب، تحقّق نوعاً من الاستقرار السياسي لسلطة المجلس الرئاسي، مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية في المناطق الخاضعة للجماعة. 

إضافة إلى ذلك، وهو الأهم، مفاعيل العقوبات الأميركية الجديدة ضد الجماعة التي طاولت مكوّناتٍ وأفراداً من شبكة تمويلها، وقد تدفع إلى مفاقمة الأزمة الاقتصادية التي تواجهها.

على مستوى آخر، تشكّل طبيعة العلاقة مع السعودية وآفاقها تحدّياً آخر يواجه جماعة الحوثي. 

ففي حين التزمت الجماعة، إبّان التصعيد في جنوب اليمن، محدّدات ثابتة، وهي التقاربات بين حليفها الإيراني والسعودية من حيث المخاوف من الدور الإماراتي جرّاء تحالفها مع إسرائيل، التي قد تدفع إلى إيجاد موطئ قدم في الموانئ والممرّات اليمنية،

 وأيضاً مخاوف الجماعة من التمدّد الإسرائيلي في البرّ الصومالي، أي على البحر الأحمر، والذي قد يشكّل خطراً أمنياً وعسكرياً يستهدفها في المستقبل، فضلاً عن التفاهمات السعودية – العمانية؛ 

إلا أن تحوّلات المشهد الجنوبي لم تغيّر فقط موازين القوى بين الطرفين، بل الأولويات.

ففي مقابل انكفاء جماعة الحوثي قوة تهديد بالنسبة إلى السعودية، تحوّل المجلس الانتقالي الجنوبي (رغم هزيمته عسكرياً) إلى قوة تهديد رئيسية بالنسبة إلى السعودية. وما استتبعه ذلك من تأجيل سحب قواتها العسكرية في اليمن وإشرافها على الترتيبات العسكرية والأمنية لتثبيت سلطة حليفها، 

إلى جانب انخراطها في تنظيم إدارة حوار جنوبي أولاً، قبل التهيئة لمسار سياسي لحلّ الأزمة اليمنية؛ ما يعني بقاء التحدّيات التي تواجهها الجماعة، وتحوّلها إلى الهامش بالنسبة إلى الرياض.

ومن جهة ثانية، ومع أن حسم سلطة حليفها يمثّل خطوةً أولى بالنسبة إلى السعودية لإدارة المرحلة الانتقالية في اليمن، ومن ثم التفاوض مع الجماعة، 

إلا أن تحوّلات المشهد الجنوبي (من توحيد سلطة المجلس الرئاسي إلى هيمنة السعودية على الملف اليمني) تعني فقدان الجماعة لهامش المناورة السياسية؛ أي عبر تقديم المسألة الاقتصادية والدعم السعودي على حل الأزمة ورضوخها للمسار الذي تفرضه السعودية،

 وبالطبع وفق أولويات السعودية وشروطها، التي تتضمّن الضغط على الجماعة متى ما أرادت للمضي في العملية السياسية أو استخدام القوة والحسم العسكري، ومن ثم فقدان الجماعة لأوراق الضغط وأيضاً المناورة في هذه المرحلة.

في المقابل، تشكّل مفاعيل الإزاحة في بنية سلطة المجلس الرئاسي وما ينتجه من بيئة متجاذبة واستقطابية فرصاً لجماعة الحوثي. 

وإذا كانت الانقسامات الرأسية والأفقية على مستوى النُّخب والأحزاب والمكوّنات قد شكّلت عاملاً رئيساً مكّن أطراف الحرب من إدارة تفاهمات تتجاوز معسكرات الحرب،

 إلى جانب الاستفادة من اقتصاد الحرب؛ فإنه وبعيداً من تضمين المجلس الانتقالي لحربه في شرقي اليمن باستهداف شبكات التهريب المتبادلة بين تنظيم القاعدة وجماعة الحوثي، فإن العلاقة بين الطرفَين ظلّت تخضع (تماماً كحال القوى الأخرى) لعامل المصالح المتبادلة، وتثبيت مناطق النفوذ.

إضافة إلى ذلك، ظلّ خطّ التقارب بين الطرفَين يتعضّد تاريخياً من خلال المكوّن الجنوبي المدعوم من إيران، إذ ظلّ هذا الجناح (في ترويكا المجلس الانتقالي الجنوبي وفي سلطة الجماعة) قوةً فاعلةً عمدت إلى ترتيب مستويات من التفاهمات غير المُعلَنة بين الطرفَين.

 إلا أن إزاحة المجلس الانتقالي من المشهد الجنوبي وهزيمته عسكرياً تنمّي فرصاً متبادلةً لتدعيم العلاقة بين الطرفَين. 

فإلى جانب تحوّلهما إلى معسكر واحد، أي طرفَين انقلابيين، بما يعنيه ذلك من خضوعهما لتبعات الحظر والتقييد على المستويين الدولي والإقليمي 

وبالتالي تفعيل إجراءات منسّقة للتحايل على هذه التقييدات، فإن هذه الديناميكيات قد تولّد شكلاً من التحالف غير المُعلَن على قاعدة "عدو عدوي حليف محتمل".
 
وقد يستتبع ذلك، في المرحلة المقبلة، تطوير تنسيق أمني متبادل، بما في ذلك استغلال حالة الفراغ الأمني في المناطق الجنوبية لصالحهما. 

وبموازاة ذلك، وإذا كانت الإمارات تمثّل عملياً موقعاً إقليمياً مركزياً لشبكات التهريب التي تديرها إيران لدعم وكلائها، وفي رأسهم جماعة الحوثي، فإنها قد تلجأ (بعد هزيمتها في جنوب اليمن) إلى تدعيم علاقتها بالجماعة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر 

وذلك للضغط على منافسها السعودي وإرباك المشهد السياسي، تبعاً لمنطق "عليّ وعلى أعدائي".

في المحصّلة، تبدو خيارات جماعة الحوثي في التعاطي مع تحوّلات المشهد الجنوبي محدودةً إلى حد كبير، ومليئة بالتحدّيات، ومع تصعيدها القتال في بعض الجبهات، 

وبالنظر إلى إنهاك القوى اليمنية عموماً، فإن خيار التصعيد العسكري يبقى مقامرةً بالنسبة إلى الجماعة، وذلك جرّاء التحدّيات الاقتصادية التي تواجهها، 

وأيضاً المخاطر التي تواجه حليفها الإيراني مع اتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية. عسكرياً، ومع أن التوتّرات الجيوسياسية الحالية في البحر الأحمر، توافر للجماعة معطىً لتصعيد عملياتها، أو على الأقل للاستفادة من طبيعة التحالفات العسكرية الإقليمية، فإن ضمان موقع لها في هذه المعادلة يعتمد في المقام الأول على أبعاد علاقتها مع السعودية.

ومن جهة ثانية، ومع أهمية نقل علاقتها مع الانتقالي والإمارات إلى مستوى تحالفي، فإنه يمثّل مغامرةً مكلفةً بالنسبة إليها واستعداءً للسعودية التي باتت الطرف المهيمن على إدارة الأزمة اليمنية بمكوّناتها السياسية، بما فيها جماعة الحوثي.

* كاتبة وناشطة يمنية