Logo

مأساة الـ 15 قرناً- لماذا أخفقنا في استدامة المشروع اليمني السيادي!!

 عندما نتأمل حالنا اليوم، ندرك بوضوح لماذا أخفقنا، على مدى خمسة عشر قرناً، في بناء مشروع يمني سيادي مستدام. 

فبينما يتحد العالم من حولنا ليعزز نفوذه ويقوي مؤسساته ويوسع جغرافيته ومجاله، نغرق نحن في دوامة التفتيت و"عقلية القرية"؛ حيث غدت الحوارات السياسية جولات من المساومات العبثية وابتزازاً مكشوفاً ومخجلاً لمفهوم الدولة الشاملة.

 نحن لا نقرأ التاريخ، وإن قرأناه فلا نفهمه، لذا نظل أسرى تكرار مآسيه.

فمن مفارقات التاريخ المؤلمة أن اليمن يملك كل مقومات الإمبراطورية، لكنه افتقر تاريخياً إلى "إرادة الاستدامة" والمشروع الوطني الجامع. سيطر الأحباش ثم الفرس على اليمن رغم تفوقنا العددي،

 ولم يكن السبب ضعفاً في البأس، بل لأن صراعاتنا البينية حول "أحقية الحكم" جعلت الجبهة الداخلية مستباحة، فانتهى بنا الحال كـ "أُجراء" (شقاة يومية) عند الغريب فوق ترابنا الوطني.

كيف نفسر للأجيال أن قبيلة يمنية واحدة شكلت ثلث جيش القادسية، وأن أغلب من خاض معركة اليرموك كانوا يمنيين، ومع ذلك لم يطمحوا لصياغة مشروع قيادي خاص بهم؟

 كيف نفهم أن جيش فتح مصر كان قوامه من خولان وهمدان وكندة وغيرها من قبائل اليمن، وأن 86 قبيلة يمنية استوطنت مصر لتبني مدنها، ومع ذلك لم يبرز منها حاكم واحد؟

 في المقابل، نرى الأيوبيين والسلاجقة والمماليك -وهم جُلبوا من أصقاع الأرض- امتلكوا "إرادة الدولة" فصاروا حكاماً للمنطقة بأسرها.

أذكر هنا مقولة لمعاوية بن أبي سفيان لولاته: "لا تولِّ عملك إلا أزدياً أو حضرمياً، فإنهم أهل أمانة"، لم تكن تلك مدحة مجردة، بل كانت توصيفاً دقيقاً؛ فنحن نُحسن تنفيذ مشاريع الآخرين بأمانة، لكننا نفتقد الجرأة على امتلاك مشروعنا الخاص. انظروا إلى "قريش"؛

 لقد أدركوا مبكراً مفهوم القوة والسيادة، حتى قال سهيل بن عمرو محذراً قومه: "لا تكونوا آخر من دخل الإسلام وأول من خرج منه"، فعادت قريش لتمسك بزمام الأمور لأنهم فهموا "إرادة المشروع".

 وبينما كانت قريش تبني إمبراطورية هدمت عرشي كسرى وقيصر في أربعين عاماً، كان اليمنيون -رغم حضارتهم- يتفرغون لإجهاض أي محاولة لبناء كيان قيادي يمني، حتى وُئدت فكرة "الخلافة اليمانية" في مهدها بصراعات الجسد الواحد.

إن العلة لا تكمن في نقص الموارد، بل في "التنافس السلبي" وجدليات الهوية الضيقة. فكر "القرية" والمناطقية والعنصرية الذي نعيشه اليوم يجعل اليمني ينظر لأخيه وكأنه لا يملك حقاً في هذه الأرض لانه من منطقة او محافظة اخرى وأجد ذلك قمة الانحطاط. 

اليمني يحارب أخاه بجلَد، ويسعى لرؤيته يفشل ليشبع غروراً ذاتياً، والنتيجة أننا نصبح جميعاً فريسة سهلة للخارج.

 وبينما نحن اليوم "أكبر تجمع للفقراء" في جزيرة العرب، لا نزال نستهلك طاقاتنا في شعارات إقصائية، في زمن تجاوز فيه العالم الحدود نحو تكتلات كبرى.

انظروا إلى بقية الأمم؛ الأتراك بدأوا بأربعمئة خيمة هاربة من بطش المغول، انطلق بهم "أرطغرل" ثم "أورخان غازي" ليبنوا في جيلين فقط إمبراطورية حكمت ثلاث قارات. والمماليك تحولوا من رقّ إلى حكام حموا المنطقة. كلهم صهروا أنفسهم في "مشروع"،

 بينما لا نزال نحن نبحث عن "كفيل" خارجي، نبتسم له ونخدمه، ونكشر في وجوه بعضنا البعض. 

والآن، بينما تكبر دول المنطقة — من الإمارات وقطر والمملكة وإثيوبيا وغيرهم — أمام أعيننا، نحن نتقزم ونتناحر كقرى ومناطق متنافرة، ونريد — عن قصد وإصرار — أن نظل شقاة يومية عند الغير، وفي بلدنا أيضًا.

إن سنن التاريخ لا تجامل أحداً؛ ولم يسبق لمرتزق أو انتهازي أن بنى وطناً، فالأداة تظل أداة مهما دُعمت. إن نخبنا اليوم تتسابق لنيل رضا الخارج دون مشروع، متناسية أن "التابع" لا يُحترم.

 الحل يبدأ بـ "استدارة وطنية" نحو الداخل، تعيد الاعتبار للكرامة والقرار المستقل، وتحول العمل إلى بناء "الأمة اليمنية" بدلاً من تسويق مواطنيها كأجراء اي شقاة يومية وخدم  في مشاريع الغير او أفضلهم انتهازي مطوبر، يريد يبيع الباقي من وطنه. 

فالدول لا تُبنى بأحلام التبعية، ولا بعقلية "القرية" ولا منهجية "الابتزاز" . 

وأخيرًا نتذكر أن أجدادنا بنوا دولاً كبرى كسبأ وحمير والرسوليين عندما امتلكوا المشروع، فما الذي ينقصنا اليوم؟

 حيث لدينا كل مقومات الأمة العظيمة،  نكون سادة قرارنا وارضنا. غير ذلك سوف نظل بمشاريع التقزم والقرية  "شقاة" في سجلات التاريخ لقرون أخرى. 

فالبداية من هنا من ذواتنا، إذا أردنا أن نكسر مأساة الخمسة عشر قرنًا من التبعية ونبني مشروعًا يمنيًا سياديًا يليق بتاريخنا.