Logo

الزيدية السياسية ودورات العنف في اليمن

 الشائع لدى كثير من الذين يتناولون الشؤون المذهبية والدينية أن الزيدية كمذهب ديني هي أقرب مذاهب الشيعة إلى السنة، وهو قول يمكن أن ينطبق على زيدية زيد بن علي، لكنه يناقض تماماً زيدية الهادي يحيى بن الحسين التي تُدعى "الهادوية" التي لا تزال إلى اليوم في بعض مناطق شمالا اليمن.
سنة 122 للهجرة خرج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب في ثورة على الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك، ضمن ثورات العلويين ضد أبناء عمومتهم من الأمويين.
التف حول زيد بعض الأنصار، ولكنهم اشترطوا عليه التبرؤ من الخليفتين أبي بكر وعمر، كي يناصروه. 
وهنا رفض زيد رفضاً قاطعاً هذا الشرط، مؤكداً أنه لا يقدح في "وزيري جدي"، حسب تعبيره، ويقصد أن أبا بكر وعمر كانا وزيري النبي عليه السلام. 
أما من طلبوا منه البراءة من أبي بكر وعمر، فقد أطلق عليهم زيد لفظة "الروافض"، وهي الكلمة التي تطلق في إطار السجال الطائفي الذي يتخذ من لفظتي "الروافض والنواصب" مدخلاً للشحن الطائفي السني الشيعي اليوم، 
على الرغم من أن زيداً كان أول من أطلق وصمة "رافضي" على فريق من الشيعة يحط من قدر الخليفتين الأولين في الإسلام، كما جاء في مسند الإمام زيد.
لكن ما علاقة ذلك بقضية قرب أو بعد الزيدية من السنة؟
الواقع أن زيداً الذي تنسب إليه الزيدية كان قد أصل برفضه البراءة من الخليفتين الأولين في الإسلام، قد أسس لمبدأ "جواز ولاية المفضول مع وجود الأفضل"، أي أنه أقر بولاية أبي بكر وعمر المفضولين عنده، مع وجود علي الأفضل لديه. 
وبغض النظر عن أي الخلفاء هو الأحق،
 إلا أن زيداً خطا خطوة متقدمة في الفكر السياسي الشيعي (نقول الشيعي تجوزاً، لأن هذا المصطلح لم يكن قد تبلور بعد حينها)، بتجويز ولاية المفضول مع وجود الأفضل، 
ومن هنا كانت زيدية زيد قريبة من النظرية السياسية السنية التي تقر بولاية الخلفاء قبل علي، مع كونها لا تعطيه أية أفضلية عليهم.
نشأت الزيدية أو الأمر في طبرستان والديلم في إيران الحالية، غير أن الدولة الزيدية في إيران لم تدم طويلاً،  
ومع التوسع الصفوي في إيران لاحقاً اضطر كثير من رموز وأتباع الزيدية إلى مغادرة إيران إلى اليمن، ومع وصول يحيى بن الحسين الذي تلقب بـ"الهادي" إلى صعدة في شمال اليمن في القرن الثالث الهجري استطاع إصلاح الخلافات القبلية التي كانت بين قبائل المنطقة 
وقد جاء بصفته مصلحاً دينياً، لكنه بعد أن أصلح بين قبيلتي همدان بن زيد وخولان بن عامر، رأى أنه يمكن أن يتزعم القبيلتين، وهو ما كان. 
ولما رأى الهادي أن الأمر بهذه السهولة، خطا خطوة كبيرة بإدخال التعديل الأخطر على الزيدية الذي بموجبه تحولت الزيدية من التسامح إزاء التاريخ السياسي الإسلامي إلى قطيعة تامة مع هذا التاريخ، ومن ثم الابتعاد، على المستوى السياسي عن النظرية السياسية السنية، وإن ظل الفقه الزيدي مقتبساً من الأحناف، 
وظل الاعتقاد الزيدي معتزلياً، بحكم تتلمذ زيد على واصل بن عطاء.
ولكن ما هو هذا التحول الأخطر الذي غير مسار الزيدية على يد الهادي، وجعلها أحد أهم عوامل عدم الاستقرار السياسي في اليمن إلى اليوم؟
قرر الهادي بعد أن أصبح زعيماً سياسياً - ولكي يضمن بقاء الحكم في أسرته - أن "الإمامة أو السلطة السياسية" يجب أن تكون محصور في "البطنين"، أي في ذرية الحسن والحسين من أبناء علي بن أبي طالب، وبموجب ذلك انحصر مبدأ "جواز ولاية المفضول مع وجود الأفضل"، على "البطنين"، 
ما يعني أنه تجوز ولاية المفضول مع وجود الأفضل فيما بين المنتمين لذرية الحسن والحسين، دون غيرهم..
أما التعديل الأخطر الآخر الذي أدخلته الزيدية بعد زيد، فهو أن مراجعها اشترطوا في "الإمام" جملة من الشروط، أخطرها، "أن يخرج على الناس، شاهراً سيفه"، وهو الأمر الذي يعني أن المشروعية لا تأتي للحاكم أو الإمام إلا من خلال التغلب بالسيف، أي رفض الوصول للمنصب بالشورى ورضى الناس، 
لأن "الإمامة حق للبطنين، دون غيرهم"، حسب تنظيرات رجال المذهب في الزيدية الهادوية، وبذلك تلغي الهادوية مبدأ “التداول السلمي للسلطة والانتخابات”.
وبسبب هذين الشرطين في الزيدية الهادوية – على وجه الخصوص – دخلت اليمن منذ مجيء الهادي في سلاسل من الحروب الداخلية لا تزال آثارها مستمرة إلى اليوم، 
ذلك أن اليمنيين على مر القرون لم يسلموا للأئمة الزيديين بحق حصر الإمامة في البطينين، ولم يستمر حكم الدول الزيدية المتعاقبة أكثر من 250 سنة على فترات متقطعة، وهو خلاف ما هو شائع من أن الدولة الزيدية استمرت لأكثر من ألف سنة في البلاد، 
حيث كانت تقوم دولة زيدية في أجزاء من اليمن، ثم تسقط، لفترة طويلة، ثم تعود، في سلاسل من الحروب مستمرة خلال الألف سنة التي تلت وصول الهادي إلى اليمن.
هناك إذن زيدية زيد الذي اتخذ موقفاً إيجابياً من التاريخ السياسي للخلفاء الراشدين، واقترب كثيراً من الأفكار السياسية في المحيط الأعم للمسلمين،
 وهناك زيدية الهادي التي أسست للتطرف الديني والسياسي، حيث أفتى بكفر من لم يؤمن بولاية علي بن أبي طالب، وتبعه في ذلك معظم أئمة الزيدية في اليمن، 
ليأتي الإمام عبدالله بن حمزة، ليكفر كل من لم يؤمن بأن "الإمامة" هي حق لذرية الحسن والحسين، بدوافع سياسية لا دينية، وعنصرية، لا فقهية.
واليوم يعاني اليمن من موجة من موجات العنف الديني، حيث عادت مقولات الزيدية السياسية لدى الهادي وعبدالله بن حمزة مجدداً، إثر تبني الحوثيين لمقولات الهادوية في "حصر الإمامة في البطنين"، و"الخروج بالسيف"،
 وهي أفكار سببت - ولا زالت تسبب - المزيد من موجات العنف، حيث ترفض التغيير السياسي سلمياً، كما تحصر السلطة والثروة في سلالة بعينها، وهذه وصفة حقيقية للحرب، لا للتعايش.
وفوق ذلك اغترف الحوثيون من أدبيات "ولاية الفقيه" في إيران، واقتبسوا الكثير من محتواها الديني والسياسي، لتخرج خلطة تقوم على مبادئ "الحق الإلهي" و"حصر الإمامة" والتكفير الديني للمخالف، ووجوب الخروج المسلح بالسيف على الحاكم الظالم (وكل حاكم هو ظالم ما لم يكن من البطنين، لأنه أخذ ما ليس له)، وغير تلك من مقولات هادوية، 
تم خلطها بالآيديولوجيا الخمينية التي أضفت على الحركة الحوثية أبعاداً حركية، وربطتها بالمشروع الإيراني الاشمل في المنطقة.