حين تطغى القداسة على السياسة
عشتُ ثلاثة عقود أتأمل في سير العظماء، وقرأتُ طويلاً في تاريخ القيادات والزعماء والشخصيات التي تركت أثراً في الوجدان الإنساني، من ملوك ورؤساء ومعارضين، لكنني اليوم أقف أمام ظاهرة تتجاوز حدود المنطق السياسي لتلامس تخوم الغيبيات.
لم أرَ في حياتي، ولا في سجلات التاريخ العربي المعاصر، أتباعاً يرفعون قائدهم إلى مرتبة "النبوة" أو يخلعون عليه صفات المسيح، كما يحدث اليوم في المشهد الجنوبي مع عيدروس الزبيدي.
إننا أمام حالة من "التأليه السياسي" الصادم، وهي ظاهرة يمكن فهمها فلسفياً من خلال "ديانة الجماهير"؛ فالمساكين من الأتباع، خاصة جيل الشباب الذي نشأ خلال العقد الأخير تحت وطأة الشحن العاطفي، باتوا يهمسون، بل يجهرون، بأن الزبيدي هو "عيسى بن مريم" هذا العصر، أو "يسوع" الذي جاء ليخلصهم من آلامهم.
هنا يسقط المنطق في فخ "الميتافيزيقا السياسية"، حيث لا يعود القائد موظفاً عاماً أو رجل دولة، بل يتحول إلى "أيقونة" تمنح الأتباع خلاصاً روحياً زائفاً يتجاوز تعقيدات الواقع.
هذا التحول من الكاريزما إلى القداسة يعكس أزمة وعي عميقة، فمن الناحية السوسيولوجية، يبحث الإنسان في لحظات العدمية والتيه الوطني عن "نقطة ارتكاز" صلبة، فيقوم بنقل السيادة من "الفكرة" إلى "الشخص".
هؤلاء الشبان الذين لم ينهلوا من قصص الأنبياء سوى القشور، وجدوا في "عيدروس" وعاءً لصبّ كل انكساراتهم وآمالهم الكبرى، حتى تحول القائد في مخيالهم من بشر يخطئ ويصيب إلى "يسوع الزبيدي" الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه
وهو ما وصفه "إريك فروم" بـ "الهروب من الحرية"؛ أي التنازل عن الإرادة النقدية مقابل الشعور بالذوبان في كيان القائد "المقدس".
إن الخطورة الفلسفية تكمن في أن "التأليه" يُلغي "المؤسسة". فبينما تُبنى الدول على التعاقد والمنطق، تُبنى الأساطير على العاطفة والعمى.
لا توجد قضية في العالم تبرر إقناع الشباب بأن زعيمهم هو "المسيح المنتظر"؛ لأن محاولة ليّ عنق الواقع ليتناسب مع أوهام القداسة لن تصنع وطناً، بل ستنتج قطيعاً ينتظر المعجزات بدلاً من العمل بالوسائل السياسية.
يقف عيدروس الزبيدي اليوم أمام مرآة أتباعه الذين يلقبونه بـ "يسوع"؛ فهل يمتلك الشجاعة لكسر هذه المرآة وتذكيرهم ببشريته؟ إن الرهان الحقيقي يكمن في استعادة العقل السيادي، وتحويل هذا الزخم من "عبادة البطل" إلى "احترام القانون".
فالتاريخ يعلمنا بمرارة أن القادة يرحلون، والرموز تبهت، ولا يبقى في نهاية المطاف إلا المؤسسات التي لا تموت بموت شخوصها.
إن المخلص الحقيقي هو الوعي، أما "يسوع الزبيدي" فليس إلا وهماً جميلاً في عيون المتعبين، سرعان ما يتبدد أمام استحقاقات بناء الدولة وتحديات الواقع المرير.