Logo

نكف العود… صرخة عدالة أم إنذار وناقوس خطر؟

 كيف تحول تنفيذ الأحكام إلى مطلب قبلي! قراءة قانونية في مشهد خطير:

في مشهد غير مألوف في تاريخه الدستوري والقانوني، يجد اليمن نفسه اليوم أمام مفارقة صادمة: قبائل العود والمناطق الوسطى تحتشد لا للمطالبة بالثأر، ولا لفرض أعراف القوة، بل للمطالبة بتنفيذ أحكام قضائية نهائية وباتة.

وهذه المفارقة، وإن بدت في ظاهرها إيجابية من حيث المطلب، إلا أنها في جوهرها ناقوس خطر مدوٍّ على ما آلت إليه حال مؤسسات الدولة، وعلى رأسها قطاع العدالة.

إن الأحكام القضائية الباتة ليست مجرد أوراق رسمية، بل هي عنوان الحقيقة القانونية، والتجسيد العملي للعدالة، والمرآة التي تُقاس بها مصداقية الدولة.

وتنفيذها واجب لا يقبل التفاوض ولا التسويف، وتعطيلها لا يُعد مخالفة إدارية عابرة، بل جريمة  جسيمة لا تسقط بالتقادم، لأنها تمس حق المجتمع قبل أن تمس حق الأفراد.

فالحكم الذي لا يُنفذ لا قيمة له ولايساوي ثمن الحبر الذي كتب عليه ، بل يعد حكما معطلاً، يفضي لعدالة معلقة، ودولةً مشلولة الإرادة.

وحين يضطر المواطن من مغادرة قاعة المحكمة إلى ساحة القبيلة لتحصيل حق أقره القضاء، فإن ذلك يعني بوضوح أن الخلل لم يعد فرديًا أو عارضًا، بل أصبح خللًا بنيويًا تتحمل مسؤوليته الجهات التنفيذية والأمنية التي امتنعت أو توانت عن تنفيذ الحكم  أو خضعت لضغوط خارج إطار القانون.

ولا بد من القول بوضوح لا لبس فيه: إن تعطيل تنفيذ الأحكام القضائية الباتة يمثل اعتداءً مباشرًا على سيادة القانون، وانتهاكًا صارخًا لمبدأ الفصل بين السلطات، وإفراغًا للقضاء من وظيفته الدستورية، وتكريسًا لمنطق الإفلات من المحاسبة.

والأدهى من ذلك أن هذا الواقع المختل بدأ ينتج مظاهر صادمة، من بينها أن نرى مثقفًا مدنيًا مسالمًا، وعالم اجتماع مرموقًا بحجم الدكتور حمود العودي، وهو المعروف بخطابه المدني والعقلاني، يندفع بحماس للدعوة إلى النكف القبلي.

وهذا وحده كفيل بأن يعكس حجم الانكسار الذي أصاب الثقة العامة بالمؤسسات، ودرجة الإحباط التي دفعت حتى النخب الأكاديمية إلى مغادرة خطاب الدولة، واللجوء – اضطرارًا أو يأسًا – إلى أدوات ما قبل الدولة!

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: أن يتحول مطلب سيادي  بامتياز، وهو تنفيذ حكم قضائي بات، إلى فعل قبلي اضطراري.

 فهذا التحول، وإن كان مفهومًا من زاوية الغضب الشعبي، إلا أنه يحمل في طياته خطرًا بنيويًا يتمثل في تقويض فكرة الدولة الحديثة، وتحويل العدالة إلى ميزان قوة اجتماعية، لا إلى معيار قانوني.

وإذا أصبح كل صاحب حكم بات مضطرًا إلى تنظيم نكف قبلي أو حشد اجتماعي لتنفيذ حقه، فإننا نكون أمام انهيار فعلي لمفهوم الدولة، واستبداله بمنطق الاصطفافات، وهو منطق لا ينتج عدالة مستقرة، بل يراكم أزمات مؤجلة وانقسامات اجتماعية أعمق.

إن الرسالة السياسية والاجتماعية التي يجب أن تُقرأ بعمق من هذا المشهد، هي أن الثقة العامة بالقضاء والتنفيذ القضائي تتآكل بوتيرة خطيرة، وأن استمرار هذا المسار ينذر بانفجار اجتماعي أكبر، لن يكون في صالح أحد، لا سلطة ولا مجتمع.

ومن موقع المسؤولية المهنية والأخلاقية، فإن معالجة هذه الأزمة لا تكون عبر التهدئة الخطابية، ولا عبر المعالجات القبلية المؤقتة، بل عبر إجراءات مؤسسية واضحة، في مقدمتها:

أولًا: إنشاء آلية قضائية مستقلة وشفافة لمتابعة تنفيذ الأحكام الباتة، ونشر تقارير دورية توضح ما نُفذ وما عُطل وأسباب ذلك.

ثانيًا: تفعيل المساءلة القانونية الصريحة لكل جهة أو مسؤول يعرقل تنفيذ الاحكام الباته، أيا كان موقعه.

ثالثًا: دعم  قضاة التنفيذ ،وتوفير كل الوسائل بما يكفل تنفيذهم للأحكام ،وتحريرهم من الضغوط والتهديدات، وضمان استقلالهم العملي لا الشكلي.

رابعًا: منع تحويل الأحكام الباته إلى مادة للمساومات أو التدوير الإداري تحت أي ذريعة او مسمى.

وفي الختام، فإن أخطر ما في هذا المشهد ليس الحشد ذاته، بل الحقيقة التي تقف خلفه: وهي أن المواطن لم يعد يثق بأن الحكم القضائي وحده يكفي. 

وإذا لم تُستعد هيبة التنفيذ القضائي اليوم، فإن الغد قد لا يرحم أحدًا.

فالعدالة إما أن تُنفذ بالقانون… أو تُغتال بالصمت.

ولا دولة بلاقضاء مستقل و أحكام نافذة، ولا سيادة بلا قضاء محترم، ولا مستقبل لمن يفرّط في الحقيقة التي يمثلها الحكم القضائي البات.