Logo

اليمن- صراع مع الساعة!!

 تبلغ المسافة بين الأرض والقمر حوالي 384 الف و 400 كيلومتر؛ رقم قد يبدو مجرد مسافة فلكية، لكنه في ميزان بناء الاوطان يختزل "الفجوة الحضارية" التي تفصلنا عن العالم. 

ولنا أن نتخيل شعوب الأرض، بما حققته من استقرار ونهضة وتقدم، وقد أرست سفنها على سطح القمر ترقب حالنا، بينما لا نزال نحن في اليمن نكافح في قاع الأرض، نتلمس طريقنا للحاق بركب الأمم. 

إن صراعنا الحقيقي اليوم ليس صراعاً على البقاء فحسب، بل هو سباقٌ محموم مع الزمن، والزمن لا يحابي المترددين.

لو اخترنا "عقلية الماضي" وقررنا المضي باستخدام الجمال — ولم أقل الحمير ترفعاً — فسنحتاج إلى تسع سنوات من الشقاء والعناء لنصل؛ وحينها لن نجد أحداً بانتظارنا، فقد يكون العالم قد استوطن مجرات أخرى، وبدلاً من ردم الفجوة، سنكون قد حكمنا على أنفسنا بنفيٍ أبدي خارج التاريخ والوجود.

 أما إذا ركنا إلى "خيار العجز وكفاءات الأمر الواقع" واستخدمنا السيارة — تماشياً مع سقف علمهم وطموحاتهم المحدودة — فسيبررون لنا ذلك بمرارة "حكم المرحلة والسياسة"، لتمر خمسة أشهر من السفر ونصل لنجد أن العالم قد استوطن المريخ، ولتتسع المسافة من جديد إلى ملايين الكيلومترات التي يعجز طموحهم عن إدراكها.

هنا نجد أنفسنا أمام حقيقة لا تقبل القسمة على اثنين: تقليص الزمن لا يتحقق بالمعجزات، بل بعبقرية الإدارة وحُسن اختيار الكفاءات. 

فبينما يقترح صاحب الرؤية التقليدية "طائرة" لنصل في ثمانية عشر يوماً كما تعمل بقية دول المنطقة ومنها المملكة، ويطمح القائد الفذ لـ"صاروخ فضاء" يختصر المسافة في ثلاثة أيام كما يعمل اردوغان في تركيا، يبرز المبدع الاستثنائي ليطرح خيار "سرعة الضوء"، ليكون هناك في أقل من ثانيتين كما تعمل الصين.

 هكذا تدار الدول الصاعدة والعظمى والصناعية؛ فكلما وُضعت مفاصل القرار بيد كفاءات تمتلك الخيال والجرأة، تقلصت المسافات الحضارية وكنت في المقدمة مع الامم، بدلاً من الانشغال بجهود مهدورة في صراعات وحوارات عقيمة امتدت لأكثر من 13 عاماً، كان جوهرها صراعاً على النفوذ وتوريثاً أراد من خلاله البعض إقناعنا باستخدام "السلحفاة" للوصول إلى القمر، في عبثٍ لم يحصد منه الشعب سوى الضياع.

إن محاولات إقناع المجتمع اليمني بأن الوسائل البدائية المتهالكة وثقافة "الجمال ولم اقل الحمير" هي خيارنا الأفضل لمجرد أننا "ألفناها"، هي خيانة للمستقبل وضمانة مؤكدة لتعميق عزلتنا وفقرنا ومعاناتنا اليومية. 

ومن العجيب حقاً أن يجادل البعض بأن استقرار اليمن يقتضي القبول بهذا الركود القاتل والعبث القائم. 

إن ردي على هؤلاء بسيط وواضح: "لا وقت للهدرة والعجز.. اصنع المشروع، وقدم القيادة الملهمة، وستجد الشعب يندفع خلفك كالسيل؛ فالمستقبل لا يُنتظر، بل يُبنى بالتنمية، والتحدي، والإرادة التي لا تقهر."

ومختصر الامر، المسافة بيننا وبين الحضارة ليست كيلومترات، بل هي 'عقلية إدارة'. إن اختيار الوسيلة هو الذي يحدد موعد الوصول؛ فإما نفيٌ أبدي خارج التاريخ بعقلية الماضي، أو عبورٌ خاطف نحو المستقبل بعبقرية الكفاءة. 

اليمن لا ينقصه المورد، بل تنقصه الإرادة التي لا تقبل بغير سرعة الضوء مساراً.