Logo

فقدان البوصلة والكلفة وطن

 من دون علم ومنهج قد تجد نفسك حائرًا بين تجاذب وتناقض. تمضي على غير هدى، وقد فقدت البوصلة وأضعت الطريق، لتعود بعد تيهٍ، تمضغ خيبتك، مثقلاً بحيرتك، حاملاً سؤالاً دون جواب.
ويتجلى هذا المعنى في مفارقات شتّى؛ ومن أوضحها المفارقات الثقافية؛ فبينما تتلذَّذُ بعض الشعوب بلحومِ الضفادعِ والفئرانِ والخفافيشِ، معتبرة إياها أطباقًا شهية، تعافُها شعوب أخرى حدّ التقزز،
 وربما بالغ بعضهم في تقززه فقال: مستعدًّا لانتزاعِ أحشائِه من مكانِها، أو الموتِ جوعاً دون أن يقتات قطعةً منها ولو "بشقّ تمرة".
وعلى المنوال نفسه يقالُ في التعدُّدِ والاختلافِ حيالَ ما نحتسي. فشعوبٌ تستمرئُ الخمرَ وتستحسنُه، وفيها من يرى لثمة الكأس قبلة شوق وعشق ونشوة، وأخرى تحرّمه وتجرّمه، وتجلدُ شاربَه وتلعنُ حاملَه. وبين قبلة عاشق وجلد شارب فجوة يستصعب ردمها.
وفي المنظومة الواحدة تجد تزمّتًا يضيق على نفسه، وفسحةً تتسع لألف قول؛ ففي النبيذ مذاهب تُجيز احتساءه دون إسراف، وأخرى تقطع بتحريمه قليلَه وكثيرَه. 
مذاهب تبيحه ما لم يبلغ غليانُه زَبَدَه، وأخرى تحرّم السُّكر إن تجاوز حدَّه، وقيل حدَّه ما لا يفرّق صاحبه بين رجل وامرأة، ولا يميّز بين أرض وسماء. ولكلٍّ حججه وموروثه.
ولعل الحقيقة، أو شذراً منها، تكمن في أن اختلاف الثقافات في جوهره هو نتاج مسار تكويني تضافرت في تشكيله عوامل تاريخيّة وجغرافية واجتماعية، انعكست في أدق تفاصيل الحياة. 
ولفهم تلك الفوارق، وجب تجاوز التصورات المسبقة التي لا تقود إلا لمعرفةٍ ناقصةٍ أو وعيٍ زائف.
***
في السياق ذاته يبرزُ 'القات' في اليمنِ كابتلاءٍ تحول إلى قدر يمتد، وكورثةٍ تدوم؛ آفةٌ تلتهمُ كلَّ يومٍ مالَ المرءِ ووقتَه وصحتَه، وإدمانٌ يستنزفُ الروحَ ويُثقل الجسد. 
هو إهدارٌ صارخ للمداخيل والمواردِ على حسابِ ضروراتِ الحياةِ، يُبْذَلُ مقابلَ نشوةٍ زائفةٍ وإحساسٍ عابر ومخادع بـ 'السلطنةِ'؛ حيثُ يشيدُ المرءُ كلَّ يومٍ مملكةً من سراب ووهم.
وفيما يغدو القاتُ في اليمن جزءًا من هويةِ واقتصادِ ونسيج حياةِ يومية، نجد جُلَّ دول العالم تُدرجه ضمن قوائم ممنوعاتها، تجارةً وحيازةً وتعاطيًا، بسبب مكوناته وعناصره، وتُجرِّم اتيان تلك الأفعال بعقوباتٍ صارمة ومغلظةٍ.
هذا التناقض اختبرته عيانًا؛ في مرحلة من إقامتي في سويسرا بين عامي 2008 و2009، بعد تقدمي بطلب حق اللجوء السياسي فيها، وجدت القات مصنّفًا ضمن المواد المخدرة بموجب القانون الفيدرالي، حيث تصل مدة العقوبة فيه إلى ثلاثِ سنواتٍ، وفي حالاتِ خطيرةِ ومشددة قد يصلُ فيها السجنُ إلى عشرينَ عاماً. 
ولم يكنْ ما أدهشني حجمَ العقوبةِ فقط، بل المفارقةُ نفسُها؛ فقد كانَ التعاملُ القانونيُّ مع الحشيشِ أخفَّ وطأةً في المنعِ والرقابةِ والعقابِ من القاتِ. ورغم ذلك شاهدتُ في السكنِ الذي أقمتُ فيه، بعضَ طالبي اللجوءِ الصوماليينَ يتعاطونه بسر وكتمان. 
هكذا رأيت العادة تتحدى القانون وإن كان من خلف جدار، وشاهدت ولع القات يدرك صاحبه حتى في ملاذه ومنفاه.
وما لفت انتباهي أكثر أنه كان يصل إلى أيديهم طريًا كأنه قُطف لتوّه، والأعجب أنهم كانوا على علمٍ بتشدد القانون حياله، ومع ذلك يُقبلون على تعاطيه. 
وعرفت منهم أن سعره باهظ للغاية. وقد دعاني أحدهم، بدافعٍ من كرم، إلى مشاركة مقيلهم، غير أنني امتنعت، واعتذرت بحجة عدم تعاطيه.
وعلى الضفة الأخرى من المفارقة، كانت لحوم الخنازير في سويسرا متوفرة، لا إثم فيها ولا حرج. أما أنا، ففي غمرة وجودي هناك، أكلت اللحم المتاح دون أن أعلم إلى أي صنف ينتمي: أهو حلال أم حرام؟ هل هو لحم ضأن أم خنازير؟ كل ما كنت أعرفه أن "الجوع كافر".
***
ولم تتوقف المفارقات عند حدود ما سبق؛ فبين عامي 2012 و 2013، اعتدتُ خلطَ الحليبَ بالعسلِ في قنينةٍ وألفها بلفافة ورباط وأرشف منها كعاشق برفق حنون، 
وكانت القبلة التي لم تكتمل حيث أقلعت عنها لا لضيقِ ذاتِ يدٍ أو غلاءِ سعرٍ، بل لِمَا لمحتُه من غمزٍ ولمزٍ، لم أدركْ كنهه حتى همسَ في أذني صديقٌ ناصح: 
- إنَّ بعض الحضور يسرح بعيدا في سوء ظنّه.  سراحًا لا يخطر لك على بال.
عملت بنصيحته؛ فأنقذتني من غمز ولمز، ومن اتهامٍ قد يفضي إلى جلد صاحبه في وسطٍ يستسهل رمي السهام وكيل الاتهامات. 
قيل إن الحياة تجارب، وإن المجرِّب لا يُدان بل يُدان من لم يُجرِّب، وقيل أيضًا إن تجريب المجرَّب خطأ مرتين. 
ولعل مأساتنا الكبرى تكمن في سياسةٍ لا تكفّ عن التجريب فينا، وقد تآكلت تروسها وهي تعيد تدوير نفايات أكل عليها الدهر وشرب، من دون جدوى أو اتعاظ؛ حتى بلغنا حدًّا لا نتعلم فيه إلا بكلفة وطن
***