Logo

بين الكاريزما والرمزية: قراءة فلسفية في ظاهرة القائد والجمهور

 في قراءة تاريخ الحركات التحررية والتحولات السياسية الكبرى، نجد أن الشعوب غالباً ما تميل إلى تكثيف آمالها واختزال قضاياها الكبرى في "فرد" واحد، يتحول بمرور الوقت من مجرد قائد سياسي إلى "رمز" يتجاوز النقد. 

وفي المشهد اليمني الجنوبي المعاصر، تبرز شخصية عيدروس الزبيدي ليس كلاعب سياسي فحسب، بل كظاهرة تستدعي التأمل في علاقة القائد باتباعه.

الشبيه التاريخي: غاريبالدي "بطل الصقليتين"

إذا أردنا البحث في سجلات التاريخ عن شخصية تشبه الزبيدي في مساره، سنجد تقارباً مع "جوزيبي غاريبالدي"، الموحد الإيطالي والثائر الذي قاد حملة "الألف" لتحرير الجنوب الإيطالي. 

وجه الشبه يكمن في "الشرعية الثورية"؛ فكلاهما بدأ كقائد ميداني عسكري، وكلاهما استمد قوته من الالتفاف الشعبي حول فكرة "استعادة الهوية" والكيان السياسي المفقود.

 غاريبالدي لم يكن مجرد جنرال، بل كان بالنسبة للإيطاليين "المخلص" الذي يرتدي قميصه الأحمر ليعيد لهم كرامتهم الجغرافية والسياسية، وهو تماماً الدور الذي يلعبه الزبيدي اليوم في مخيال أنصاره.

سوسيولوجيا التقديس: لماذا يُؤلّه الأتباع قادتهم؟

إن ظاهرة "التقديس" التي نراها لدى أتباع الزبيدي ليست ظاهرة فريدة به شخصياً، بقدر ما هي استجابة نفسية وفلسفية لواقع مشحون بالأزمات.

 يفسر الفيلسوف الألماني ماكس فيبر هذا النوع من القيادة بـ "السلطة الكاريزمية"؛ وهي السلطة التي تقوم على اعتقاد الأتباع بأن القائد يتمتع بقدرات استثنائية أو بطولية لا يمتلكها غيره.

من الناحية الفلسفية، يعكس تقديس الأتباع رغبة جماعية في "الأمان النفسي". في لحظات التيه الوطني، يبحث الإنسان عن "نقطة ارتكاز" صلبة، فيقوم بنقل السيادة من "الفكرة" إلى "الشخص". 

هنا يصبح الزبيدي في نظر أتباعه هو "القضية" ذاتها؛ فالدفاع عنه هو دفاع عن الوجود، وانتقاده يُفسر كخيانة للهدف الأسمى. 

هذا "التأليه السياسي" هو في جوهره عملية "هروب من الحرية" (بتعبير إريك فروم)، حيث يسلم الجماهير إرادتهم النقدية للقائد مقابل الشعور بالوحدة والهدف.

بين الرمز والواقع

إن الخطورة الفلسفية في تقديس الشخوص تكمن في ذوبان المؤسسية داخل الشخصنة. فبينما يرى الخصوم في هذا التقديس نوعاً من "الاستلاب الفكري"، يراه الأتباع ضرورة قصوى للحفاظ على وحدة الصف في مواجهة العواصف.

لكن التاريخ يعلمنا أن القادة الحقيقيين هم الذين يحولون "رمزيتهم" إلى "مؤسسات"، والذين يسمحون للأتباع بالانتقال من "عبادة البطل" إلى "عبادة المبدأ". إن عيدروس الزبيدي اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي: 

إما أن يبقى رمزاً عاطفياً تنتهي فاعليته بمرور الزمن، أو يتحول إلى مهندس لدولة المؤسسات التي لا تموت بموت شخوصها.

ختاماً

إن العلاقة بين الزبيدي وأتباعه هي جدلية "الحلم والمنقذ". وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذا النهج، 

يظل الرهان الحقيقي ليس في عدد الصور المرفوعة، بل في قدرة هذا الالتفاف الشعبي على التحول إلى واقع سياسي مستدام يتجاوز كاريزما الفرد ليحقق تطلعات الجماعة.ش