Logo

اليمن: فلسفة الانحدار وقيامة الوعي

 ليس الوجعُ الذي يسكنني اليوم دمعةً تُذرف ثم تجف، بل هو احتراقٌ كونيٌّ في أعماقِ الروحِ على وطنٍ كان يوماً بستاناً للدهشة، فأصبح اليوم حطاماً للمعنى.

 أقفُ وأنا أتحسسُ جراح بلادي، غارقاً في لُجّةٍ من الحسرةِ والذهول، متسائلاً بمرارة: 

كيف استحالَ ذاك المهدُ العظيمُ لحداً للأحلام؟

 وكيف غدت اليمنُ، التي كانت في عُرف التاريخ منارةً، مجردَ حالةٍ فلسفيةٍ تُشرحُ على طاولاتِ الساسة، وجرحاً مفتوحاً في خاصرةِ الإنسانيةِ لا تُضمدهُ الوعودُ الكاذبة؟

أكادُ أسمعُ أنين "تعز" في صدري؛ تلك المدينة التي كانت مِحراساً للثقافة، ومنارةً للعلم، وملاذاً لكلِّ حرفٍ شريف. يقتنصُ القهرُ قلبي وأنا أرى خيرة أبنائها، حملةَ الأقلامِ وطلبةَ النور، وقد أُرغموا على احتضانِ البنادقِ الباردة.

 لقد ساقتهم الأقدارُ إلى خيارينِ أحلاهما مُرّ؛ فمنهم من قذفت به فاقةُ العيشِ وغيابُ الوعي ليصبحَ وقوداً لمشاريعَ لا تُشبهُ روحَهُ المدنية 

 ومنهم من حملَ سلاحهُ اضطراراً، لا حباً في الدم، بل ذوداً عن كرامةٍ تأبى الانكسار، وحفاظاً على بقايا كبرياءٍ يرفضُ أن يُساقَ صاغراً خلفَ أوهامِ السادةِ والعبيد.

إن هذا التآكلَ الذي يمزقُ أحشاءَ وطني لم يبدأ بدويِّ المدافع، بل بدأ يومَ انتحرَ الإنسانُ فينا، حين صار الفردُ أرخصَ من الشعار، وأهون من الراية، وأقلَّ قيمةً من أدنى يقين. 

فالدولُ لا تهوي فجأة، بل يسقطُ الوعيُ في الناسِ أولاً، ثمَّ تتكفلُ السياسةُ بمراسمِ الدفنِ والإقصاء. 

وفي تلك اللحظةِ المظلمة، حين يُقايضُ الجائعُ كرامتَهُ بلقمةٍ مُرة، ويغدو الصمتُ حكمةً، والكذبُ مهارةً، والزيفُ ذكاءً؛ تولدُ "أخلاقُ الضرورة". إنها الأخلاقُ التي لا تنشدُ عدلاً، بل تطلبُ نجاةً تُرجئُ الموتَ وتستديمُ الخنوع.

لقد رأيتُ بعيني كيف يُصنعُ الجهلُ ليكون قيداً، وكيف يُعمى الإنسانُ ليكون وقوداً وبوقاً لكلِّ مشروعٍ هدام. إنَّ استنباتَ الجهلاءِ وتدويرَ الفقراءِ لم يكن صدفة، بل هو استراتيجيةُ الخرابِ الكبرى لاختراقِ الشعوبِ وتحويلها إلى أدواتٍ لهدمِ ذواتها.

أما إبُّ الخضراء، فقد كان سقوطُها صامتاً كدمعةٍ في ليلِ القهر، حيث سُرقت حقوقُها تحت وطأة "السكينة الزائدة" لشعبٍ أُقنعَ بأن الصبرَ عقلٌ، وأن الانحناءَ عاصفة. 

وفي عدن وحضرموت، صعدت التناقضاتُ حتى بلغت الحناجر، لنكتشفَ أن من يطلبُ الكرامةَ لنفسهِ وينكرها على أخيهِ، لا يبني دولةً بل يُرممُ زنزانةً بصبغةٍ جديدة.

لا خلاصَ لنا بسحرِ السياسة، ولا بطلوعِ مخلص؛ بل الخلاصُ في عودةِ الإنسانِ إلى مركزِ الكون، ونزعِ القداسةِ عن الجماعةِ ومنحها للفرد. 

اليمنُ اليومَ ليست جثةً، بل هي روحٌ مرهقةٌ تنتظرُ وعياً صادقاً يرى القبحَ قبحاً، ويختارُ الإنسانَ قبل الراية. 

وحين يعودُ المعنى، ستعودُ الدولة، وما سوى ذلك ليس إلا طوافاً في تيهِ الخراب.