Logo

الكِتابات على الجدران!!

 قبل عدة أشهر قمت بزيارة إحدى المدارس الثانوية هنا، وهي مبنى يعود تاريخ إنشائه إلى أكثر من مئة عام، وقد خضع آخر مرة لأعمال ترميم في عام 1993، أي قبل نحو ثلاثة عقود. 
وعلى الرغم من ذلك، لا تزال المرافق في حالة ممتازة ولاتجد باب مكسور او طفل كتاب خرابيش على الجدران؛ فالكراسي ما زالت مستخدمة، والغرف منظمة ونظيفة، والممرات تتميز بدرجة عالية من العناية والجمال، دون أي مظاهر للعنف أو الإهمال. 
وعند اجتماع أولياء الأمور، نجلس في نفس مقاعد الطلاب، لنجد بيئة تعليمية تعكس أعلى مستويات النظام والانضباط.
وينطبق الأمر ذاته على المبنى الجامعي الذي أعمل فيه، والذي أُنشئ عام 1997، حيث لم تبرز الحاجة منذ ذلك الحين إلى أعمال صيانة تُذكر، سواء في الحمامات أو الأبواب أو النوافذ. بل إن من يزور المبنى يظن أن عمره لا يتجاوز بضع سنوات.
أما منزلي، فيعود تاريخ بنائه إلى قبل عام 1870، وهو مصنف ضمن المباني المحمية، وقد خضع آخر ترميم له أيضًا في عام 1994. 
ومع ذلك، لا تزال جميع مكوناته في حالة متميزة، بما في ذلك مراوح الحمامات والحنفيات التي تعود إلى عام 1994، والتي ما زالت تعمل بكفاءة عالية حتى اليوم.
 وهذا يعكس بوضوح أن استدامة المرافق لا ترتبط بعمرها الزمني بقدر ما ترتبط بثقافة الاستخدام والصيانة.إن ما يدعو للتأمل هو أن الحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة ليس مسألة موارد بقدر ما هو انعكاس لوعي مجتمعي وثقافة راسخة. 
فعند الاطلاع على بعض الصور من جامعة تعز اليوم وكثير من مرافق اليمن العامة،
 لم يكن تدهور البنية التحتية هو الجانب الأكثر إيلامًا في الصور هنا والتي ليست للحصر كون الظاهرة منتشرة في كل المرافق الحكومية في اليمن، 
بل ما يثير القلق حقًا هو مظاهر العبث بالمنشآت كما هنا كون هذه الغرفة نظرت لها على ان فيها افضل كادر كان يجب ان يكن حريص على الممتلكات ، كالكِتابات على الجدران، والتي تعكس تراجعًا في الإحساس بالمسؤولية والتربية وضعفًا في احترام الممتلكات العامة.
وهنا يبرز تساؤل جوهري: كيف يلتزم طفل في مدرسة ألمانية بالحفاظ على بيئته التعليمية، فلا يعبث بالممتلكات ولا يشوه الجدران، في حين يُقدم بعض طلاب الجامعات على ممارسات منافية لهذه القيم؟
 إن الفارق لا يكمن في الإمكانات، بل في ترسيخ ثقافة المسؤولية والانتماء منذ المراحل المبكرة.
إن معالجة هذه الظاهرة لا تتطلب حلولًا معقدة بقدر ما تستدعي رفض لذلك وطرد الطالب من الجامعة لأنه غير مؤهل يكن بين هولاء. يتطلب إرادة حقيقية لإعادة بناء منظومة القيم والتربية. 
ويبدأ ذلك من الأسرة، حيث تُغرس مبادئ احترام الممتلكات العامة، ويمتد إلى المدرسة التي ينبغي أن تعزز السلوكيات الإيجابية من خلال التربية قبل العقوبة، ثم إلى الجامعة التي يفترض أن تكون نموذجًا للوعي والمسؤولية. 
كما أن تبني سياسات واضحة للمحاسبة، إلى جانب حملات توعوية مستمرة، يمكن أن يسهم في ترسيخ ثقافة الحفاظ على الممتلكات.
 إن الاستثمار الحقيقي لا يكمن فقط في بناء المنشآت، بل في بناء الإنسان القادر على صيانتها واحترامها. 
فبدون هذا الوعي، ستظل أي بنية تحتية—مهما بلغت جودتها—عرضة للتدهور، بينما مع ترسيخ هذه القيم، يمكن لأبسط الإمكانات أن تدوم وتزدهر.