Logo

لا تبحثوا عن رعاة… بل ابحثوا عن وطن

 في زحام الاصطفافات، ووسط ضجيج الشعارات المتضاربة، يقف اليمن وحيدا كأم أضاعها أبناؤها في سوق الولاءات، كل طرف يرفع راية، لكن الراية الوحيدة التي تتوارى خلف الغبار هي راية الوطن!.

إلى من يحشدون هنا وهناك، إلى من يظنون أن القوة تستعار من الخارج، وأن المستقبل يصنع على موائد الآخرين: توقفوا لحظة، واسألوا أنفسكم بصدق: ماذا تبقى من اليمن في كل هذا؟.

ليست المشكلة في اختلاف الرؤى، ولا في تعدد المشاريع، فذلك شأن كل الشعوب الحية، المشكلة حين يتحول الاختلاف إلى ارتهان، وحين يصبح القرار مرهونا بغير أهله، وحين يختزل الوطن في موقع تابع ضمن صراعات لا تشبهه..

أيها المنخرطون في هذه الاصطفافات، أنتم لستم ضعفاء بطبيعتكم، لكنكم تعيشون وهم القوة المستعارة، تستندون إلى الخارج لأن الداخل مثقل بالجراح، ولأن الثقة بينكم انهارت، فبحث كل طرف عن سند يعوض هذا الانكسار، لكن الحقيقة القاسية أن من لا يملك قراره، لا يملك مستقبله..

الوطن ليس جغرافيا فقط، ولا سلطة تنتزع، بل هو معنى يتشكل في الوعي قبل أن يتحقق على الأرض، وحين يتخلى الإنسان عن هذا المعنى، يصبح مستعدا دون أن يدري للتنازل عن كل شيء!.

لا تبحثوا عن رعاة، فالراعي لا يصنع وطنا، بل يدير قطيعا ولا تبحثوا عن حماة، فمن لا يحمي نفسه، لن يحميه أحد إلا بقدر ما يخدم مصالحه، ابحثوا عن اليمن في لغتكم، في ذاكرتكم، في وجوه أمهاتكم، في وجع أطفالكم، في كل تفصيلة صغيرة تذكركم أنكم تنتمون إلى شيء أكبر من كل هذه الاصطفافات..

عودوا إلى نقطة البداية:

قبل أن تكونوا مع هذا الطرف أو ذاك، كنتم يمنيون، وقبل أن تختلفوا، كان بينكم قاسم مشترك اسمه الوطن..

إن أعظم شجاعة اليوم ليست في حمل السلاح، بل في كسر هذه الدائرة المغلقة من التبعية للخارج وأن تقولوا: كفى، في أن ترفضوا أن تكونوا أدوات في صراعات الآخرين، في أن تعيدوا تعريف أنفسكم، لا كأتباع، بل كأبناء وطن يستحق أن يستعاد..

قد يبدو الطريق طويلا، وقد يبدو الصوت الفردي ضعيفا، لكن كل وعي يبدأ بفرد، وكل تحول كبير يبدأ بفكرة، فلا تبحثوا عن رعاة، لأن الراعي سيبقى راعيا، ولن يراكم يوما شركاء، ابحثوا عن وطن، لأن الوطن وحده هو الذي يمنحكم معنى، وكرامة، ومستقبلا يشبهكم..

اليمن لا يحتاج إلى من يتقاتلون باسمه، بل إلى من ينهضون لأجله..