Logo

من خسر المعركة.. ترامب أم إيران؟

 انكب أهل الأرض، جمعيهم، على حل هذه المعضلة: من خسر المعركة، ترامب أم إيران؟

والحق أن ترامب ذهب إلى المعركة بخطة، لكن لا استراتيجية. الاستراتيجية تتطلب وضع كل الاحتمالات في الحسبان، بما في ذلك إجابة عن سؤالي "ماذا لو فشلت الخطة، وما هو طريق الخروج".

كل هذا لم يكن واضحاً في رأس ترامب، بدلاً عن ذلك شغل رجاله أنفسهم بتبرير المعركة دينيا، كما لو أنها حملة جهادية تهدف إلى إرضاء الرب. في مقر وزارة الدفاع صلى هيغسيث مراراً لأجل سحق أولئك الذين لا يستحقون الرحمة. 

في "أحد الشعانين" رد عليه البابا ليون قائلاً إن الله لا يقبل صلاة أولئك الذين تلطخت أياديهم بالدماء. المسيحية الأميركية لا تقيم وزناً للفاتيكان ولا تعترف بالبابا. أميركا، كأمة ودولة، تعيش وهم الاصطفاء والاستثناء "الإلهي"، كما يذهب سايمون تسيدال في الغارديان. 

كيف عششت تلك الفكرة في الخيال والروح الأميركية؟ استعارتها من التوراة. الأعمال التي قدمها منير العكش ذهبت إلى البدايات الأميركية ولاحظت الاستنساخ التوراتي المبكر، بل التقمص البروتستانتي للشخصية العبرانية. هي أمة لله، وأمة من الله. القس "جون ونثروب" ألقى خطاباً على ظهر سفينته، قبل قرون، واصفاً الأرض الجديدة التي رآها بأوصاف أورشليم كما قرأها في كتبه. وبالطبع فقد كان الرجال معه على السفينة هم "العبرانيون".

منح الأميركان الأوائل أنفسهم صفة العبرانيين. في مذكراتها قالت كلينتون إن تكوين إسرائيل يشابه تكوين أميركا. السينما الأميركية، بعد الحرب الثانية، جلبت أبطال أفلام الغرب الأميركي "الويسترن" لتصنع بهم أفلاماً حول الصراع العربي الفلسطيني. في أعمال كثيرة كان الفلسطيني هو الهندي الأحمر، والمهاجر اليهودي إلى فلسطين هو ذاته المهاجر البروتستانتي إلى أميركا. الرجلان اختارهما الرب ليجعلوا الصحراء تزهر.

العلمانية الأميركية بيروقراطية لا بنيوية، في النص لا الممارسة، يمكن تجاوزها واحتواؤها بأدنى الحيل. خذوا هذا المثال: يلتقي ريغان بحشد كبير من رجال الدين، ١٥ ألفاً، في مهرجان انتخابي ويخاطبهم "أعلم أنكم لا تستطيعون تأييدي ولكني أريدكم أن تعرفوا أني أؤيدكم".

 ما معنى هذا؟ يمنع القانون أن تعلن الكنيسة تأييد أحد المرشحين، ويعاقبها بإلغاء العفو الضريبي. أي لا يمنعها بالمطلق، ولا حتى ينهرها! أما ريغان فتلاعب بالقانون "العلماني" لغوياً، بأن عكس محور الملقي - المتلقي. في ذلك المهرجان قال لهم إنه سيكون مرشحاً للكنيسة (أؤيدكم: أؤيد رؤيتكم ومطالبكم).

كسب ريغان الانتخابات بدعم أولئك الرجال الذين لم يكونوا مضطرين لقول نحن نؤيدك بما أن الرجل قد قال أنا أؤيدكم. تأخذ العلمانية الأميركية هذا الشكل التافه، المخادع.

أميركا بلد خلقها الله لتمجده، يقول سيناتور. ذهبتُ إلى إيران بخطة مفادها إسقاط نظام إيران وتغيير الشرق الأوسط إلى الأبد..

 فشلت الخطة وبان أن ترامب وفريقه التوراتي (من مهووسي نهاية الزمان) ليس لديهم استراتيجية، وهكذا ذهبوا إلى تفاوض حول المضايق البحرية التي كانت مفتوحة وآمنة قبل الحرب (هرمز، المندب). بين كلمتي ترامب (ستباد حضارة من الوجود) و (عصر ذهبي للسلام في الشرق الأوسط) أقل من ٢٤ ساعة.

 يا له من يوم للسلام العالمي، قال ترامب. ويكمل حديثه: "سنعمل مع الإيرانيين على إعادة إعمار إيران، إنه وقت للأموال العظيمة".

هذا ليس ترامب، إنها أميركا.

هذه أميركا، وهي مصابة بمرض "جهادي" مزمن. خاضت أكثر من ٤٠٠ حرباً منذ تأسيسها، وقبل الحرب على إيران اشتركت بكل الوسائل من السياسة إلى الذكاء الاصطناعي في تنفيذ إبادة بشرية في غزة. 

إن إسرائيل دون "الفيتو، السلاح، والمال الأميركي" بلد متواضع وضعيف، وفقاً لجدعون ليفي في هآرتس بالأمس. أفعالها هي أفعال أميركية، هي الطاعون الذي رآه محمود درويش وهو يرى دبابات شارون تجتاح بيروت.

لم تكن "درسدن" معقلاً نازياً يهدد أوروبا، كانت الحرب قد وضعت أوزارها إلا لماماً. غير أن أميركا سحقت درسدن للسبب نفسه: إبادة حضارة، مركزها المادي والثقافي درسدن، لإجبار برلين على الاستسلام. 

اختفى مركز المدينة التاريخي، بل العالمي، وانسحق عشرات الآلاف تحت الركام. تحت طائلة القاعدة نفسها: إذا لم يستسلموا فسوف نبيد تاريخهم. بعد ٣ أشهر انتحر القادة الألمان. نادراً ما تهدد أمة أمةً أخرى بماضيها. الأميركان يفعلون.

منذ ١٩٧٩ تدور الحرب، ومن حين لآخر تبرز المعارك. ما جرى معركة كسبتها أميركا وإيران معاً. روت أميركا غليلها، فهي دولة يقتات مزاجها "الإلهي" على الفتك. الفتك الذي أخفته بعد الحرب العالمية الثانية بإعادة تسمية وزارة الحرب إلى وزارة الدفاع. 

عادت الآن إلى الاسم القديم. أما إيران فكسبت المعركة استراتيجياً؛ ذلك أن نظامها السياسي لم يختف من الوجود، وأن رؤية العالم لأميركا لم تكن بمثل هذا السوء من قبل. للفتك الأميركي حدود غير عسكرية، القنابل لوحدها لا تكفي لحسم الحروب، ولا يمكنك إلقاؤها على مر الأيام. الجغرافيا أيضا سلاح، وقد يكون أخطر من كل قنابل القوي. احتمت إيران بجغرافيتها.

المعركة انتهت وليس الحرب. الحرب بين الخصمين قديمة جداً، تقترب من نصف قرن، وستأخذ طريقها في المستقبل، في الظل وفي الشمس. 

فئة جديدة من القادة ستحكم إيران مستقبلاً، غاضبة وراديكالية ولا تشعر بالأمن. هذه شروط مناسبة لتأبيد المعارك والحروب، ولجعلها صعبة على الخصم مستقبلاً. 

تعلم الأميركان أن هذه المعركة لم تكن ضرورية، وتعلم الإيرانيون أنها ضرورية. لكي لا يعود راعي البقر إلى القصف مستقبلاً لا بد من تطوير آلة الردع إلى ما هو أكبر من هرمز. عقدت إسرائيل الشرق الأوسط على نفسها، ولم تنجح في هندسته.

الحق أن تداعيتها الداخلية في إسرائيل وأميركا كبيرة، وفيما يبدو فقد زادت من التماسك الداخلي في إيران. هذه فرضية خطيرة لها ما يدعمها. فمن المتوقع أن يمنح الشعب الإيراني قيادته الجديدة الفرصة، وبالمقابل برز قادة جدد يدركون أهمية التماسك الداخلي والرضا الشعبي.

أما عربياً فالمعادلات مركبة ومتداخلة، ويصعب التنبؤ بالمصائر من لبنان إلى اليمن.