لماذا يرثي الفلاسفة حال العدارسة؟
في اللحظات التاريخية الحرجة، حيث يقف العالم والمنطقة بأسرها على كف عفريت، وتموج الأرض بتحولات تبتلع الكيانات الهشة، أجدني مضطراً لأن أتأمل المشهد بعين فلسفية تجتاز القشور لتصل إلى الجوهر.
إن ما أشاهده اليوم من حال العدارسة وأتباعهم، وهم يغرقون في تبعية عمياء للزعامة، ليس مجرد خلاف سياسي، بل هو أزمة وجودية وداء نفسي يستوجب الرثاء لا الهجوم.
إنني أرثي لحالهم؛ لأن الفيلسوف يدرك أن أقصى درجات المهانة الإنسانية هي الاستلاب الذاتي، أي أن يتنازل الإنسان عن ملكة النقد ليصبح صدى لصوت غيره.
لقد رأينا كيف استحال عيدروس في مخيلة هؤلاء إلى كائن يتجاوز بشريته، وكأننا أمام طقوس تأليه تعيد إنتاج مأساة تقديس الأشخاص على حساب القضايا.
إنهم يرفعون القائد لمصاف عيسى ابن مريم في محاولة لا شعورية لتعويض مرارة الهزيمة وتبخر الوعود، وهذا هو الفصام بعينه.
أنا أرى أن هؤلاء القوم يعيشون في غيبوبة إرادية.
فبينما الواقع يصفعهم بحقائق التهميش والتبخر، وبينما صاروا مجرد أدوات تحركها أصابع الخارج، يهربون هم إلى الداخل، نحو صنم الزعامة ليحتموا به من الحقيقة المرة.
إنهم كالمريض الذي يرفض الدواء لأنه أدمن الوهم، لذا نحن لا ننظر إليهم بحقد، بل ننظر إليهم كأطباء يشفقون على مريض يهذي في سكراته.
أنا أستغرب، كيف يغيب المرء عن واقعه إلى هذا الحد؟ وكيف يقبل أن يكون مسخرة في مجالس السياسة، يتنكر له من بايعهم، ويذكره من أهانوه، وهو لا يزال يصفق؟
إن هذا الجنون السياسي هو ثمرة غياب الفلسفة كمنهج حياة؛ فلو كانت لديهم ذرة من سلوك الفلسفة لأدركوا أن الكرامة لا توهب من الزعيم، وأن الحرية تبدأ من التحرر من عبادة الأشخاص.
إننا حين نشرح حالهم، نفعل ذلك لنرثي هذا الهوان الذي حل بالإنسان في جنوبنا.
إنهم مخدرون بوعود كاذبة في زمن لا يرحم الواهمين.
إنني أسأل الله أن يمن عليهم بوقفة صدق مع النفس، ليروا كيف تلاشت أحلامهم وصاروا أداة في مسرحية انتهى عرضها ولم يدركوا ذلك بعد.
أرثي لحالكم من قلب حزين، وأسأل الله لنا ولكم الإفاقة والبصيرة.
* كاتب وباحث يمني