Logo

المراكز الصيفية في اليمن: صناعة أزمة المستقبل

 لم تكن أزمة التعليم في اليمن وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى السنوات الأولى بعد الوحدة عام 1990، حين برزت إشكالية ازدواجية النظام التعليمي، خصوصًا مع انتشار "المعاهد العلمية" التي خضعت لتأثير تيار سياسي-ديني بعينه.

 وقد شكّلت هذه المسألة أحد العوامل التي ساهمت في تفجير الأزمة التي انتهت بـحرب صيف 1994، حيث أصبح توحيد التعليم ضرورة للحفاظ على كيان الدولة.

لكن ما تلا ذلك لم يكن أقل خطورة. فقد شهدت البلاد توسعًا في إنشاء مؤسسات تعليمية ودعوية ذات طابع أيديولوجي، مثل جامعة الإيمان، إلى جانب مراكز دينية متعددة، أبرزها مركز دماج، والتي أسهمت في تكوين بيئات فكرية متباينة سرعان ما تحولت إلى بؤر صراع.

 ومع نشوء الشباب المؤمن، الذي تطور لاحقًا إلى حركة أنصار الله (الحوثيون)، دخل اليمن مرحلة جديدة من الاستقطاب الحاد، تُرجمت إلى حروب وصراعات لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.

غير أن التهديد الأكثر عمقًا لا يكمن في تلك المرحلة، بل في ما يجري الآن. فمنذ سيطرة جماعة أنصار الله على مؤسسات الدولة، تحولت المنظومة التعليمية إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي، عبر تعديل المناهج، وفرض برامج ثقافية ذات طابع تعبوي، وتكريس رؤية أحادية للعالم والمجتمع.

في هذا السياق، تبرز "المراكز الصيفية" كأحد أخطر أدوات التأثير، إذ تستهدف الأطفال في مراحل مبكرة من التكوين، حيث يسهل غرس الأفكار وتشكيل الاتجاهات. 

وما يُخشى هنا ليس مجرد تعليم موجه، بل إعادة صياغة الوعي الجمعي على أسس إقصائية، تُضعف قيم التعدد والتعايش، وتؤسس لجيل لا يرى في الاختلاف إلا تهديدًا.

إن خطورة هذه الظاهرة تتجاوز بعدها التعليمي، لتلامس جوهر الاستقرار الاجتماعي والسياسي. فمجتمع يُعاد تشكيله على أسس أيديولوجية مغلقة، في ظل دولة هشة ومجزأة، هو مجتمع مهيأ لإعادة إنتاج الصراع، لا تجاوزه. 

ويزداد الأمر تعقيدًا مع وجود تيارات دينية أخرى تحمل بدورها رؤى متشددة، ما ينذر بتوازن صراعي دائم بدلًا من توازن وطني جامع.

السؤال الجوهري هنا: كيف يمكن بناء دولة مدنية في ظل أجيال تُنشأ على نقيض فكرة الدولة نفسها؟ وكيف يمكن الحديث عن يمن موحد في بيئة فكرية تتجه نحو التفكك لا الاندماج؟

إن معالجة هذه الإشكالية لم تعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة ملحّة. فالصراع في اليمن لم يعد سياسيًا فحسب، بل أصبح صراعًا على الوعي والهوية. 

وكلما تأخر التعامل مع أدوات هذا الصراع – وفي مقدمتها المراكز الصيفية – ازدادت كلفة أي تسوية مستقبلية، وازدادت هشاشتها.

اليمن اليوم لا يقف فقط على حافة أزمة، بل أمام مسار طويل من إعادة تشكيل الإنسان ذاته. وإذا لم يُستدرك هذا المسار، فإن تداعياته لن تتوقف عند حدود الداخل اليمني، بل ستمتد إلى الإقليم، وربما إلى ما هو أبعد من ذلك.

الخطر الحقيقي ليس في الحاضر، بل في الجيل الذي يصنع اليوم.

* دبلوماسي وسياسي يمني