Logo

مرآة الانكسار في واقع التعليم اليمني!!

 جالس في القطار بعد لقاء طويل مع عدة شركات المانية وصينة اليوم اتصفح الفيس بوك وفكري في اليمن حيث في زمنٍ يتسابق فيه العالم نحو ذرى المعرفة والانتاج والتنظيم والتنمية، 

وقفت مذهولاً أمام لقطة فيديو مصورة من أروقة مكتبة جامعة يمنية عريقة؛ حيث الغبار الكثيف يغلف الرفوف والأوراق مبعثرة في الممرات  

وكتب ودفاتر بشكل يختزل مأساة مؤسساتنا التعليمية ووقعنا. 

إن أي زيارة لجامعاتنا اليوم تولد شعوراً بالخيبة وكأنه "لا فائدة ترجى"، فهذا المشهد لا يعكس شح الإمكانيات فحسب، بل يجسد عجزاً إرادياً وتربوياً استمر حتى صار طبيعة ثانية، وهي صورة تدمي القلب وتثير تساؤلات عميقة عن مصير جيل يُترك لقمة سائغة للإهمال، 

في وقت تتقدم فيه أمم كالهند وإثيوبيا والباكستان وايران بأدنى التفاصيل وأقل الإمكانيات المتاحة.

إن الإصلاح الحقيقي في بيئتنا المنهكة، سواء في قطاع التعليم أو الصحة او غيرها من قطاعات الدولة، 

لا يمكن أن يُشاد فوق منصات المؤتمرات الجوفاء أو ورش العمل التي تغرق في "الفزلكة الاعلامية" الفنية وشعارات الجودة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وبرتوكولات التعاون والشراكة الموزنبيقية وبقية الهدرة، لأنه لايوجد طرف خارجي سوف يتعامل مع هكذا بيئة. 

اليمن اليوم لا تحتاج إلى ترويج الأوهام وكأنها أصبحت "نرويجاً" جديدة، بل تحتاج إلى العودة للأساسيات المنسية؛ بدءاً من السلوك الاداري العام إلى نظافة المرافق والقاعات وفهرسة الكتب وصولاً إلى الانضباط في المظهر والسلوك الشخصي. 

فهذه امور لا تكلف مالاً بل تتطلب إرادة صلبة واعادة برمجة مراقبة الذات واتقان العمل، وهي الشرط الأول والوحيد لاستعادة الثقة المفقودة محلياً ودولياً في مخرجاتنا الأكاديمية اقلها.

أكثر من ثلاثة عقود لي في ألمانيا واجد أن النموذج الألماني هنا كمنارة حقيقية للاقتداء للنهوض للشعوب المدمرة، ليس فقط لجودة نظامها التعليمي، بل لتركيزه العميق على التفاصيل الدقيقة في العملية والجدية والسلوك العام التي لا تعرف المهادنة،

 وهناك شعوب عديدة تعلمت من ذلك ابتدأ من أوروبا الشرقية إلى الصين واليابان و فيتنام وغيرها.

 فالعقلية الألمانية لا تبهرها العناوين البراقة والاعلامية والهدرة، بل تقدّر الجهد اليومي المنظمة عبر مؤشرات معرفية وفنية، وهو ما حفز دول عدة منذ اكثر من 80 عام لاقتناص الفرص لنقل أجزاء ممكنة من التجربة الألمانية تعليميا وتقنيا عبر بوابة التعليم الفني والمهني والعالي.

 اليوم الهند تقتنص الفرص وتتصدر قائمة الدول المصدرة للطلاب إلى ألمانيا بحوالي 60 ألف طالب، تليها الصين بنحو 38,600 طالب وطالبة. 

لكن هنا أجد ان الهند حققت نمواً مذهلاً برغم الفقر  المجتمعي بنسبة 20% في عام واحد داخل النظام التعليمي الألماني في رفع قدرات ابتعاث طلابهم ونظرت هنا فقط إلى ألمانيا ولم اتحدث عن بقية الغرب، 

وهي طفرة علمية هائلة تم استغلالها دون أن تتكلف حكوماتهم فلساً واحداً، بل عبر إيمان بالعمل الصامت والمنظم وفهم عقلية وادوات الغرب في انظمتهم التعليمية واحتياجتهم المجتمعية. 

وحتى أو نظرنا إلى باكستان أو ايران فنجد هناك ابتعاث كبير إلى ألمانيا فعدد طلاب وطالبات باكستان في مدينتي هنا فوق 600 طالب وطالبة ولم أحسب بقية المدن لأنهم عرفوا مفاتيح الدول في التعليم. كل هولاء لم تبعثهم دولهم وأنما بنت لهم قواعد وبيئة ينطلقون منها.  

نحن لقد استنزفنا عقوداً من الزمن في جلسات عقيمة وخطط شكلية لا تلامس الواقع، بينما يفتح الآخرون آفاق العالم بالانضباط والخطوات العملية الدقيقة.

 إن نهضة التعليم في اليمن، بجميع مساراته العالية والفنية والمهنية، لا تبدأ من منابر الخطابة، بل من هذه التفاصيل الصغيرة المهملة التي هي أساس كل إصلاح حقيقي. 

فالبلد الذي يعجز عن تنظيم مكتبة جامعته وتأمين بيئة تعليمية تحترم إنسانية طلابه، لن يمتلك أبداً القدرة على تنظيم مستقبله أو بناء اقتصاد معرفي قادر على الصمود في وجه التحولات العالمية المتسارعة.

لذا، فإن الحل يكمن في تبني "النموذج الألماني" كخارطة طريق واضحة تبدأ بخطوة عملية فورية: افتتاح معاهد لتعليم اللغة الألمانية داخل الجامعات اليمنية، وتنظيم المؤسسات الأكاديمية وفق معايير الجودة الصارمة.

 إن استقدام فرق أكاديمية ألمانية لتقييم واقع جامعاتنا ليس ترفاً، بل هو ضرورة لانتشالنا من العشوائية، يتبعها مشروع ابتعاث حقيقي لعشرة آلاف طالب وطالبة خلال ثلاث سنوات أو خمس سنوات،

 وتأهيل خمسة وعشرين ألفاً في التعليم المهني والفني عبر القنوات الألمانية بعد بناء البيئة المناسبة والمشروع أمام الاطراف الخارجية بمعنى العالم لايساعد ولا يفتح ابواب إذا لم تساعد نفسك وتبذل جهد وتظهر بوادر. 

بهذا فقط، تتحول الجامعات والمعاهد من مراكز لإنتاج البطالة واليأس إلى محاضن حقيقية للكفاءات القادرة على المنافسة اقليميا ودولياً.

إن تلك الصورة القادمة من قلب الجامعة اليمنية ليست مجرد لقطة عابرة، بل هي شهادة موجعة على إهمال ممنهج ورسالة للعالم بأن الإصلاح عندنا مؤجل وأن العبث ما زال يسبق الجدية.

 إن استهداف سمعة الجامعات، أياً كانت الجهة التي تسيطر عليها، لا يسيء للمؤسسة ذاتها فحسب، بل يضعف الثقة بكل خريج يمني ويغلق الأبواب في وجه جيل كامل يبحث عن موطئ قدم في سوق العمل العالمي. 

إن الدفاع عن كرامة التعليم وصورة الجامعة هو واجب وطني مقدس يجب أن يتسامى فوق كل الخلافات والصراعات السياسية.

وفي ظل هذا الواقع، يجب أن يُفهم أن التعليم هو الحصن الأخير الذي يجب تحييده عن التجاذبات؛ لأن هدم قمته العلمية يعني هدم مستقبل اليمن بأكمله وتحويله إلى أرض بلا أفق. 

إن النموذج الألماني يمثل المفتاح الأنسب لنا اليوم لأنه يعلمنا أن النهضة تبدأ من "النظام"، وأن العلم لا يزدهر إلا في بيئة تحترم الكتاب وتقدس الوقت والنظام والنظافة والتفاصيل الدقيقة. 

إن التفاصيل الصغيرة التي نستهين بها هي اللبنات الأساسية وهي ماينظر اليها الداعم والتي تُبنى عليها الحضارات الكبرى، وبدون البدء بتنظيمها سيظل حديثنا عن التنمية مجرد صرخات في وادٍ سحيق.

السؤال الموجع الذي تفرضه صورة المكتبة المهملة هو، هل لدينا الشجاعة لنعترف بفشلنا ونبدأ بالعمل الجاد؟

 حيث اقلها يمكن القول إن الطريق لاقناع الخارج والداخل أننا نطمح للافضل يبدأ بكنس الغبار عن الرفوف أولاً، ثم بفتح نوافذنا على الخبرات العالمية الناجحة كالتجربة الألمانية التي أثبتت جدواها في بناء الإنسان. 

إننا مخيرون اليوم بين الاستمرار في الغرق داخل ركام العشوائية والفوضى والخطط الموزانبقية، أو البدء فوراً في صياغة عقد تعليمي جديد يضع الانضباط والمنهجية العلمية فوق كل اعتبار، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يطوينا التاريخ في صفحاته المنسية.