اليمن بين عبث السلطة وانهيار المسؤولية!!
في اليمن لم تعد الأزمة مجرد حرب طويلة أو انقسام سياسي، بل تحولت إلى حالة استنزاف شامل للدولة والمجتمع، حيث يتواصل الفساد كمنظومة حكم لا كحالات فردية، وتدار مؤسسات الدولة بمنطق الغنيمة لا بمنطق المسؤولية..
فيما يجري الدفع بعديمي الخبرة الى مواقع القرار ليس على أساس الكفاءة، بل وفق الولاءات والقرابة والمحسوبية، حتى غدت المناصب العامة أمتداداً لشبكات المصالح الخاصة، لا أدوات لخدمة الناس وحماية ما تبقى من مؤسسات الدولة.
وفي الفترة الأخيرة تصاعدت بصورة لأفتة قرارات التعيين في مناصب سياسية وعسكرية ودبلوماسية ومدنية حساسة دون أي أعتبار لمعايير مؤسسية أو قواعد قانونية ناظمة لشغل الوظائف العامة.
اذ بدت كثير من هذه التعيينات قائمة على المحاباة والمحسوبية والمناطقية، وتغليب الأعتبارات الشخصية والفئوية على مقتضيات الكفاءة والخبرة والاستحقاق، وهو ما ينافي أبسط القواعد التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الحديثة.
ويكشف حجم التراجع الذي أصاب مفهوم الخدمة العامة، وتحول الوظيفة من تكليف وطني إلى أمتياز خاص يوزع ضمن شبكات النفوذ.
وفي ظل هذا الواقع تتسع ظاهرة تعيين الأقارب والأصحاب وأبناء المناطق، في مفاصل الإدارة والمال والتمثيل العام، بما يعمق الإنقسام ويقوض ما تبقى من الثقة بفكرة الدولة الجامعة.
فالمواقع الحساسة لم تعد تسند لمن يملك القدرة والرؤية، بل لمن يملك النفوذ والعلاقة، الأمر الذي أسهم في شلل الأداء وتفشي الفوضى وأستمرار العبث بالموارد العامة.
بينما يعيش المواطن تحت وطأة الجوع والحرمان وانهيار الخدمات وكأن معاناة الناس لم تعد تمثل أولوية لأحد..
والأخطر من ذلك أن غياب القيادات القادرة على انتشال البلد من هذا المأزق جعل الأزمة تبدو وكأنها قدر دائم لا مشروع للخروج منه..
فبدلاً من ظهور نخب تمتلك حساً وطنياً ورؤية انقاذية، يستمر تدوير الوجوه ذاتها التي أرتبطت بالفشل أو الصمت أو التواطؤ، فيما تتراجع فكرة المسؤولية الوطنية لصالح حسابات ضيقة ومراكز نفوذ تتقاسم ما تبقى من الدولة..
فيما الشعب يترك وحيداً في مواجهة الإنهيار دون أفق وأضح أو مشروع يبعث على الأمل..
أن ما يواجهه اليمن اليوم ليس فقط أزمة حكم، بل أزمة ضمير سياسي وأخلاقي، تتطلب مراجعة عميقة وشجاعة وطنية تعيد الأعتبار لمفهوم الدولة والكفاءة والعدالة.
فأستمرار تسليم البلاد لمن لا يملكون الخبرة أو الرؤية، وتكريس المحسوبية كبديل للمؤسسات لن يقود إلا الى مزيد من التآكل والانهيار، وما لم تنهض إرادة وطنية تضع حدا لهذا العبث فإن الخطر لن يهدد الحاضر وحده بل مستقبل اليمن كله..
* سفير بوزارة الخارجية