الهويات المؤقتة في مواجهة التأريخ!!
موت الهويات الصغيرة أمام الهوية الجامعة ليس شعارا عاطفيا يرفع في لحظة حماس، بل هو مسار تأريخي تتكفل به قوانين الاجتماع البشري نفسها.
فحين تضيق الرؤية بالإنسان داخل حدود الطائفة أو المنطقة أو السلالة، يصبح أسيرا لدوائر مغلقة تعيد إنتاج الخوف والشك، وتحول الانتماء من قيمة جامعة إلى أداة إقصاء،
لكن ما إن تتقدم فكرة الدولة، حتى تبدأ هذه الدوائر بالانكماش، لا قسرا، بل لأن الأفق الأوسع يسحب البساط من تحتها..
الهوية الجامعة لا تلغي التنوع، بل تعيد تعريفه ضمن إطار أكبر. وهي لا تطلب من الناس أن يتخلوا عن خصوصياتهم، بل أن يكفوا عن تحويلها إلى جدران فاصلة،
فالفارق كبير بين أن تكون لديك جذور، وبين أن تتحول هذه الجذور إلى قيود. وحين تنضج فكرة الوطن، يصبح الانتماء إليه هو المظلة التي تظلل الجميع، لا الساحة التي يتنازعون عليها..
الهويات الصغيرة تعيش غالبا على صور ذهنية منتقاة، تضخم لحظات وتخفي أخرى، وتعيد ترتيب الوقائع بما يخدم وهم الأحقية أو التميز،
لكنها، في مواجهة التأريخ الحقيقي، تبدو هشة، لأن التاريخ لا يبني على الرغبات، بل على التراكم، ولا يكتب بالصوت الأعلى، بل بالوقائع الأعمق.
لذلك، كلما حاولت هذه الهويات أن تتمدد خارج حجمها الطبيعي، انكشفت تناقضاتها، وسقطت تحت ثقل ادعاءاتها..
أما الهوية الجامعة، فهي ابنة التجربة المشتركة: الألم المشترك، الأمل المشترك، والذاكرة التي لا تجزأ.
هي التي تدرك الفرق بين الوجود والحكم، بين التعايش كحقيقة، والأسطورة كادعاء. ومن يفهم معنى الدولة، لا يحولها إلى غنيمة، بل إلى عقد أخلاقي يحفظ كرامة الجميع..
إن موت الهويات الصغيرة ليس حدثا فجائيا، بل هو ذبول تدريجي. تبهت حين يتقدم الوعي، وتضعف حين يدرك الناس أن مصالحهم لا تتحقق في الانقسام، بل في الاجتماع.
وكلما ارتفع منسوب الفهم بمعنى المواطنة، تراجعت الحاجة إلى الاحتماء بهويات ضيقة، لأن الإنسان لم يعد يبحث عمن يشبهه فقط، بل عمن يشاركه المستقبل..
وفي نهاية المطاف، لا تنتصر الهوية الجامعة لأنها أقوى صوتا، بل لأنها أكثر اتساعا للحياة. فهي التي تسمح للجميع أن يكونوا جزءا من الكل، دون أن يتحول أي جزء إلى الكل نفسه.
أما الهويات الصغيرة، فمصيرها أن تنكفئ، لأن العالم لا يتسع لأسوار كثيرة، بقدر ما يحتاج إلى فضاء وأحد يتسع للجميع..