يتجه المجتمع إلى امتهان السياسة!!
حالياً تشهد هذه الولاية في ألمانيا فترة اختبارات الثانوية العامة، وبعدها بثلاثة أشهر يلتحق الطلاب والطالبات بالجامعات. هذه المرحلة مرهقة ليس فقط للطلاب والطالبات، بل أيضاً للأسر والمدارس، حتى في ألمانيا.
تنقسم الامتحانات إلى قسمين: مواد تحريرية ومواد شفوية. تمتد الامتحانات التحريرية إلى خمس ساعات لكل مادة، وتشمل محتوى دراسياً تم بناؤه على مدار عامين.
تُجرى الامتحانات وسط رقابة صارمة للغاية قد تشعرك وكأنك في بيئة مغلقة تماماً. تبدأ إجراءات التفتيش بدقة شديدة، حيث يُمنع إدخال الهواتف أو حتى الساعات الرقمية إلى قاعة الامتحان.
تقوم المديرة بنفسها بتفتيش الطلاب والطالبات للتأكد من عدم وجود سماعات أو أي وسائل غش. وخلال الامتحان، تمر مراقِبة أخرى تحمل جهازاً إلكترونياً بين الطلاب لرصد أي إشارات أو أجهزة إرسال محتملة، وتتنقل باستمرار في أرجاء القاعة.
يسود القاعات صمت تام، وهدوء عميق يعكس مستوى التركيز والانضباط.
أعيش هذه الأجواء حالياً مع ابنتي "رؤية"، ومع كل يوم اختبار أجد نفسي أعود للمقارنة بين تجربتي في الثانوية العامة في اليمن ومستوى الطلاب المتفوقين اليوم في ألمانيا، خاصة من أبناء وبنات المهاجرين. أرى أننا أمام جيل يتمتع بقدرات استثنائية:
إتقان عالٍ للغات الأجنبية إلى جانب الألمانية، وكأنها لغتهم الأم، مهارات تحليلية واستنتاجية متقدمة بعيداً عن الحفظ، وقدرة واضحة على العرض والتقديم وكتابة التقارير وصياغة بروتوكولات التجارب واستخلاص العلاقات الرياضية.
كما يظهر لديهم فهم عميق في تحليل السلوكيات وعلم النفس والمنطق، إضافة إلى قدرة منهجية على تتبع التسلسل التاريخي، والبحث عن المعلومات وتحليلها وتنقيحها.
أما في اللغة الألمانية، فتبرز قدرات كتابية ووصفية وفلسفية عالية، خاصة أن اللغة نفسها تتميز ببنية دقيقة ومنهجية تكاد تشبه الآلة في تركيبها.
هنا أرى بوضوح نموذجين مختلفين من أنظمة التعليم. الأول، وهو النظام الذي نشأنا عليه في كثير من البيئات العربية، لا يوجّه الطاقات نحو الإبداع والإنتاج بقدر ما يغذي الجدل غير المنتج.
وربما يفسّر ذلك محدودية المخرجات في مجالات الصناعة والابتكار، مقابل حضور ثقافة الكلام والاهتمام بالمظاهر والسلطة، حيث يجد كثيرون في هذه المسارات الطريق الأسهل لإثبات الذات.
أما النموذج الثاني، فهو نظام يركّز على بناء القدرات وتجهيز الإنسان ليكون منتجاً وفعّالاً. لذلك نلاحظ أن نسبة كبيرة منهم تتجه مبكراً نحو تطوير الذات، وبناء المسارات المهنية، وحتى تأسيس المشاريع.
نحن في كثير من الأحيان نصل إلى سن الخامسة والثلاثين وما زلنا في مرحلة التخطيط والبحث عن الاتجاه، وربما نفكر في الهجرة أو الاستقرار، بينما نجد أن كثيراً منهم قد دخل بالفعل مرحلة الإنتاج وتحقيق النتائج في سن مبكرة، تبدأ من منتصف العشرينات.
وخلاصة تجربتي ومعايشتي للنظم التعليمية أن التعليم العام والعالي والفني في العالم الثالث —ولا سيما في اليمن— وفي العالم العربي عمومًا، يعاني محدودية في مخرجاته المرتبطة بالصناعة والإنتاج وخدمة المجتمع والابتكار.
فهو يُخرّج، في أفضل الأحوال، طلابًا يمتلكون معرفة نظرية وجدليات بيزانطية —كما نقول— لكنهم يفتقرون إلى المهارات والقدرات التطبيقية اللازمة للمنافسة في الأسواق الاقتصادية والصناعية والابتكارية، مما يحدّ من أثره في تعزيز توظيفهم وإنتاجيتهم وقدرتهم على التجديد.
ويعود ذلك، في رأيي، إلى اتساع الفجوة بين التعليم واحتياجات الواقع، نتيجة التركيز المفرط على التلقين والحفظ بدلًا من بناء القدرات وتنمية المهارات، وضعف الصلة بين المعرفة العلمية والتطبيق العملي.
وعليه يدور في أذهاننا في العالم الثالث تساؤلٌ: ما قيمة محتوى تعليمي لا نجد له صلة بحياتنا المهنية أو واقعنا أو مستقبلنا الإنتاجي، ولا نستطيع تحويله إلى منتج ملموس أو قيمة اقتصادية مضافة؟
وعليه، فإن المشكلة لا تكمن في عدد الخريجين من دول فقيرة مثل اليمن بقدر ما تكمن في نوعية المخرجات، ومدى امتلاكها لقدرات حل المشكلات المجتمعية، والعمل التقني، والتفكير الابتكاري، والتطبيق العملي.
ولذا، حين يغيب ذلك، يتجه المجتمع إلى امتهان السياسة والجدل والترندات والنقاشات العقيمة وينتهي بناء الامر كالعادة "شقاة باليومية" لعقود لا ندرك وينَ المستقبل لمجتمعنا وما هي أولوياتُنا ولانترك اثر.