اليمن: مزامير التيه!!
يقولون إن الأوطان تبنى على الجماجم، لكننا في اليمن استغرقنا في الحفر حتى غدت الجماجم هي الأساس والوطن هو القبر الكبير.
نحن لا نعيش اليوم مجرد انهيار سياسي عابر، بل نحن أمام "انتحار حضاري" جماعي؛ انكسرت فيه مرآة العقل اليماني وتشظت إلى آلاف الخناجر،
فصار كل جزء يدعي أنه الكل، وكل طائفة تزعم أنها الحق المطلق، وكل منطقة تتوهم أن في دمار أختها خلاصها.
إن ما نكابده هو "ردة اجتماعية" مخيفة نحو عصور الفيد الأولى، حيث استبدلت "الدولة" بـ "الحظيرة"،
وغدا "العقد الاجتماعي" جيفة تتنازعها مخالب المليشيات التي اغتالت هيبة القانون وحولته إلى "بلطجة" مقدسة، تقتات على دم الضعفاء وتبيع سيادة الأرض بفتات المواقف في مكاتب الاستخبارات العابرة للقارات.
تأمل هذا الهوان؛ كيف استطاعت "كاريزما الزيف" أن تسوق الملايين نحو حتوفهم تحت رايات الغيبيات والسلالات والمظلوميات المصطنعة، وكيف استحال "الدين" من رسالة سماوية إلى "صك ملكية" لقطاع طرق.
نرى الوحدويين اليوم كمن يحرس جثة نخرها السوس ظناً منه أنها ستنهض، بينما الانفصاليون يرقصون فوق حطام هويتهم، متوهمين أن بتر العضو سيشفي الجسد من سرطان الفساد، وما علموا أن السكين التي يلوحون بها هي ذاتها التي ذبحت أحلامهم بالأمس.
أما المحايدون، أولئك الذين يحملون بقايا العقل في زمن الجنون، فقد صاروا "أيتام التاريخ"؛ يرجمون من كل جانب لأنهم رفضوا أن يكونوا حطباً في تنور لا يخبز سوى الموت،
وضاع صراخهم في ضجيج "الملشنة" التي حولت الوطن إلى حقل ألغام كبير وساحة لتصفية حسابات الغرباء.
يا لها من مفارقة موجعة؛ أن تصبح بلاد "الإيمان والحكمة" مرتعاً لجهالة صارخة، وأن يستحيل منبع العروبة غريباً في داره، يتسول كرامته على أبواب من تعلموا منه يوماً أبجديات الوجود.
إن السلطة في اليمن لم تعد "سياسة" بمعناها الأخلاقي، بل غدت "سادية" تمارسها نخب تعفنت ضمائرها، تتقاتل على حطام وطن وهي تعلم يقيناً أن الغنيمة ليست سوى رماد.
إننا نعيش تراجيديا "الأنفة القاتلة"؛ يمني جائع يرفع رأسه للسماء بعزة، بينما تغوص قدماه في وحل الارتهان والتبعية.
الخروج من هذا الجحيم لن يمر عبر صفقات الغرف المغلقة أو طاولات الحوار الكاذبة، بل عبر "قيامة وعي" تجتث كل هؤلاء الأصنام، وتعيد للإنسان اليماني حقه في أن يتنفس دون إذن من شيخ أو مرجع أو زعيم عصابة.
إنها بلاد تصلب في كل ثانية، تنزف "دم الأخوين" صبراً، وتنتظر معجزة تعيد صياغة الوجود من قلب هذا الخراب العظيم.
* كاتب وباحث يمني