Logo

تحولات سعودية حاسمة في اليمن

 تعكس تصريحات الكاتب والصحفي السعودي عبد الرحمن الراشد حول اليمن، أتجاها متقدماً داخل دوائر التفكير السعودي نحو مراجعة شاملة للسياسة المتبعة في اليمن...

 حيث لم يعد الحديث يدور حول الحسم العسكري بقدر ما يركز على كيفية إدارة الواقع القائم وتقليل الخسائر الإستراتيجية. 

وقد جاء هذا التحول نتيجة تراكم سنوات من الصراع دون تحقيق الأهداف المعلنة، ما دفع الرياض إلى الإقرار بوجود أخطاء في التعاطي المبكر مع الملف الجنوبي وترك المجال لتعدد القوى المتنافسة.

في هذا السياق برزت خلال الأسبوع الماضي لقاءات جديدة بين مسؤولين سعوديين وممثلين عن جماعة الحوثي، في إطار مسار تفاوضي مستمر يجري غالباً عبر قنوات مباشرة وغير مباشرة وبرعاية إقليمية. 

حيث ركزت هذه اللقاءات على تثبيت التهدئة ومعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية، مثل الرواتب وفتح المنافذ ، وهو ما يعكس جدية متزايدة في الانتقال من مرحلة إدارة الحرب، الى مرحلة البحث عن تسوية مستدامة تنطلق من الوقائع الحالية على الأرض.

هذا المسار التفاوضي يعكس تحولاً نوعياً في الإستراتيجية السعودية، حيث باتت الرياض تنظر إلى جماعة الحوثي بإعتبارها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة مستقبلية لليمن، بدلاً من التعامل معها كخصم يمكن اقصاؤه عسكرياً..

 وهو تحول تفرضه موازين القوى الميدانية، وتداعيات الحرب الطويلة، أضافة إلى رغبة السعودية في تحييد جبهتها الجنوبية، وتقليل التهديدات الأمنية المباشرة على حدودها.

كما أن هذا التوجه يرتبط بالتطورات الإقليمية المتسارعة، حيث دخلت العلاقة بين السعودية وإيران مرحلة شديدة الحساسية في ظل التصعيد المرتبط بالحرب، التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وما تبع ذلك من ردود إيرانية طالت مواقع داخل الأراضي السعودية..

 وهو ما أعاد طرح هاجس إنتقال المواجهة إلى نطاق أوسع، وفرض على الرياض أعتماد سياسة حذرة تقوم على خفض التوتر في الملفات الثانوية، وعلى رأسها اليمن لتجنب التورط في مواجهة متعددة الجبهات، قد تكون كلفتها الإستراتيجية عالية..

في المحصلة تبدو السياسة السعودية اليوم أكثر براغماتية وإرتباطاً بحسابات الأمن القومي المباشر. 

حيث تسعى إلى تثبيت الإستقرار على حدودها، وتقليل كلفة الإنخراط العسكري وفتح المجال أمام تسوية سياسية، حتى لو أقتضى ذلك إعادة تعريف الأهداف السابقة والتخلي عن بعض رهاناتها .

وهو ما يفسر تسارع وتيرة الاتصالات مع جماعة الحوثي ومحاولة الوصول إلى تفاهمات مرحلية قد تمهد لاحقاً لاتفاق أوسع ينهي حالة الإستنزاف المستمرة منذ سنوات..

* سفير بوزارة الخارجية