Logo

قراءة في صناعة الطغاة !!

 لفهم لماذا يستمر البعض في التعويل على عودة شخصيات بعينها وكأنها المنقذ الأخير، لا بد من النظر إلى المسألة خارج الشعارات، وبعين أكثر قسوة وواقعية.

 المسألة ليست في الأشخاص بقدر ما هي في الذهنية التي تبحث دائما عن “منقذ”، عن يد تمسك بها بدل أن تقف على قدميها..

هذه الذهنية، ببساطة، هي امتداد لحالة عجز جماعي عن تحمل المسؤولية. حين يعجز المجتمع عن إدارة خلافاته، وعن بناء قواعد مشتركة للعيش، فإنه يهرب إلى فكرة المخلص. 

المخلص هنا ليس مجرد قائد سياسي، بل بديل عن الإرادة، عن القرار، عن التفكير. هو اختصار مريح لكل الأسئلة الصعبة..

المشكلة أن هذا الاختصار مكلف جداً.

وفي هذا السياق بعض أنصار النظام السابق وبعض أنصار 11 فبراير، كل منهم يظن أنه يملك الحقيقة الكاملة، وأن خطيئته الوحيدة كانت أنه لم يقض على خصمه حين سنحت له الفرصة. 

هذه عقلية لا تؤسس دولة، بل تؤسس دورات لا تنتهي من العنف. كل جولة صراع تنتج جولة أكثر قسوة، لأن الدم لا يغلق ملفا، بل يفتحه على مصراعيه..

الحنين إلى الماضي ليس حلا أيضاً.

 كثيرون يبكون على فترات سابقة ظنا منهم أنها كانت أفضل، لكنهم يتجاهلون أن تلك الفترات نفسها كانت تحمل بذور الانفجار الذي نعيشه اليوم. الماضي الذي يستدعى كملاذ آمن لم يكن مستقراً كما يصور، بل كان هشاً، ومليئا بالتناقضات التي تم تأجيلها فقط، لا حلها..

وفي المقابل، من رفعوا شعارات التغيير لم يتمكنوا من تحويلها إلى مشروع حقيقي. الشعارات وحدها لا تبني دولة، كما أن إسقاط نظام لا يعني بالضرورة بناء نظام أفضل. الفراغ الذي لا يملأ بمؤسسات، يملأ بالفوضى..

أما المواطن العادي، فهو الأكثر صدقا في معاناته، والأكثر عرضة للاستغلال. هو لا يبحث عن أيديولوجيا، بل عن حياة كريمة، عن دخل يكفيه، عن أمان، عن مستقبل لأبنائه. وحين تغلق أمامه كل الطرق، يصبح مستعدا لتصديق أي وعد، حتى لو كان وعدا بالعنف، فقط لأنه يريد نهاية لهذا النفق..

وهنا تكمن المأساة: حين يصبح الحسم أهم من الحل.

الحسم قد ينهي معركة، لكنه لا يبني سلاماً.

القوة قد تسكت الخصم، لكنها لا تقنعه. وكل انتصار قائم على الإقصاء الكامل يحمل في داخله بذور سقوطه، لأن من يُقصى اليوم سيعود غداً، أكثر غضباً، وأكثر استعداداً للانتقام..

الدرس الذي لم يستوعب بعد هو أن الأوطان لا تدار بعقلية الغلبة، ولا تُبنى على فكرة الزعيم المخلص. هذه الفكرة جذابة، نعم، لأنها بسيطة، لكنها في النهاية فخ. فحين يسلم الناس مصيرهم لشخص واحد، فإنهم لا يحصلون على حل، بل على نسخة أكثر تركيزاً من المشكلة..

الحرية ليست شعاراً، بل مسؤولية ثقيلة. والديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل ثقافة قبول بالآخر، حتى حين نختلف معه. وهذه أمور لا تأتي دفعة واحدة، ولا تتحقق بقرار، بل تبنى ببطء، وبكلفة، وبقدر كبير من الصبر..

المخرج الحقيقي يبدأ حين يتوقف الناس عن انتظار من ينقذهم، ويبدأون في التفكير كيف ينقذون أنفسهم. حين يتحول السؤال من “من سيحكمنا؟” إلى “كيف نُحكم؟”..

غير ذلك، سنظل ندور في نفس الحلقة: نرفض حاضرنا، نجمل ماضينا، ونسلم مستقبلنا لمن يتقن بيع الوهم..