Logo

ربع قرن من صناعة الأوهام.. وهذه هي النتيجة؟

 عام 2000 اتخذتُ موقفًا متشككًا من خطاب “النصر” الذي بدأت الآلة الإعلامية للمحور تروّجه، والذي لاقى قبولًا كبيرًا في الشارع العربي.

منطلق الشك عندي قام على حقيقة أن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان كان نتيجة عوامل كثيرة، من ضمنها الضغط السياسي داخل إسرائيل نفسها للانسحاب، وانحسار الأهمية الأمنية لجنوب لبنان في ذلك الحين في ظل أولوية التعامل مع استحقاقات اتفاق أوسلو.

 وكانت عمليات المقاومة في الجنوب أحد العوامل المساعدة، لكنها لم تكن السبب الوحيد وراء الانسحاب كما روجه الحزب، ولم يكن الحزب قائد العملية ومحورها كما استطاعت آلته الإعلامية إقناع الملايين به.

وكانت الصورة بالنسبة لي واضحة: حزب الله يحاول احتكار كل لبنان تحت كذبة “تحرير الجنوب”، ويريد صياغة الوعي العربي كاملًا تحت وهم الانتصار بالسلاح فقط، وأن التحرير يحب ان يكون مهمة الدولة لا مهمة ميليشيا طائفية تبتلع الدولة.

تلك الفترة كانت فترة استغلال القضايا الجماهيرية العاطفية من أجل التلاعب بالشارع العربي وتفريغ توتره وغضبه الناتج عن تعثر مسارات الانفتاح الاقتصادي، وتراجع الأنظمة عن وعود الديمقراطية والانفتاح السياسي. 

فكانت القضايا العاطفية وسيلة لنقل السياسة من “داخل” البلدان العربية إلى خارجها، ومنع المواطنين من ممارسة سياستهم الخاصة داخل بلدانهم، مقابل تقديم “سياسة تعويضية بديلة” يفرّغون فيها عواطفهم.

كانت قضية فلسطين نموذجًا مثاليًا لنزع السياسة من داخل البلدان العربية إلى خارجها، وتعويض المواطن المحروم من الانخراط في سياسته الداخلية بسياسة تعويضية بديلة، وكان جنوب لبنان وغزة مكانين مثاليين لترحيل الغضب السياسي للمواطن العربي.

لعبت الأنظمة العربية والمعارضة العربية معًا على هذه الأوهام والشعارات، وتوسعت في استثمارها، لنصل إلى ذروتها في أزمة الرسوم الدنماركية عام 2005، والتي تنافست فيها الأنظمة العربية مع المعارضة العربية في تقديم نفسها حاميةً لحمى الإسلام. 

وكانت المعارضة تحاول استغلال الأزمة لإشعال الغضب في الشارع العربي ضد الحكومات، فيما كانت الأنظمة تحاول تعويض شرعيتها المتآكلة برفع شعار نصرة الإسلام. (افتخر ايضا انني رفضت الانخراط في سيكولوجية الجماهير واعتذرت عن الانضمام الى قطيع الإعلاميين الغاضبين مع الجموع).

أصبحت حادثة الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، والرسوم الدنماركية عام 2005، كتالوجًا يتم من خلاله تصنيع القضايا الزائفة وترويجها واستغلالها في التحكم بالعقل والشارع العربي. 

وهكذا تم صناعة وترويج قضايا أخرى: أزمة الفيلم الهولندي المسيء، أزمة الفيلم الأمريكي المسيء، حرب 2006، صعود حماس ومغامراتها حتى 7 أكتوبر… وكانت الأنظمة تتنافس مع معارضيها في كل مرة على ترويج هذه القضايا والأبطال المزيفين.

لكن اللعبة الخطرة انقلبت على صانعيها، وعانت الأنظمة العربية نفسها من الألغام التي فجّرتها. وعندما نستغرب اليوم حالة الوعي المتدهور لدى الرأي العام العربي، الذي صار يؤيد قصف إيران للدول العربية وتدمير مجتمعاتها، 

ويرى ان رهن لبنان للمصلحة الايرانية هو قمة الكرامة والوطنية، ويرى أن شعارات الانتحار والتدمير الذاتي تحت شعار “المقاومة والنصر” هي الشعارات التي يجب أن تقود حياتنا…..

أقول أننا  عندما نستغرب هذا الانحدار في الوعي يجب ألا ننسى أنه نتيجة ربع قرن شاركنا فيه في صناعة القضايا الزائفة، والتدمير الممنهج لقدرة الإنسان العربي على التفكير والتمييز.

* كاتب وباحث يمني