Logo

لعبة "الجناس الجغرافي" الملعونة!

 في ملهاةٍ قدريّة لا تحدث إلا في بلادنا، تبرز لعبة "الجناس الجغرافي" الملعونة؛ فحينما أتناقش مع أحدهم ويعلم أنني من تعز، يندفع فوراً ويذكر كلمة "البعرارة" ويبدأ بالسب والشتم، وكأنه نطق بحكمة سقراط. 

ويا للمفارقة الساخرة، فهو يجهل أن "البعرارة" سُميت بهذا الاسم لأنها كانت منطقة مليئة بأشجار السدر، وثمرتها "النبق" الذي يسميه أبناء تعز بلهجتهم "بعار"، وهو ذاته "الدوم". 

إنه يشتم بعرارة الحالمة التي تنتج المانجو والليمون والعسل، وتغذي الجمهورية بمنتجات مصانعها من البسكويت والعصائر والحليب والزيوت، بينما هو يعيش في "مثلث البعار" الذي لم ينتج للتاريخ سوى "الدوم" الذي تأكله المواشي.

إن واقعية المشهد تكتمل حين ننبش في الذاكرة؛ إذ يتفلسف اليوم من كانوا بالأمس يؤدون أدوار "مجاذيب السيرك" في مخاليف تعز وإب وصعدة، يتسولون بعض الذرة ليسدوا رمقهم، قبل أن تقذف بهم جغرافيا الشمال ليصبحوا في غفلة من الزمن سادة الأبراج والفلل والمزارع، ويهيمنوا بشكل كامل على أراضي عدن ولحج وأبين.

 لقد نسوا أن دخولهم لمدينة عدن كان مشروطاً بطقوس تعقيم إجبارية؛ حيث كانت مرشات الإنجليز ترشهم بالمبيدات لغسل أجسادهم من البراغيث والقمل والكتان العالق بشعورهم وملابسهم الرثة، قبل أن يُسمح لهم بدخول المدينة.

واليوم، يتباكون على "ثروة الجنوب" المنهوبة، وهم في الحقيقة من بسطوا سيطرتهم على الأراضي والبيوت والفلل الفارهة في مدينة عدن، وصادروا تعب أبناء شبوة وحضرموت، وسحلوا كبرياء التاجر العدني وطردوه. 

بينما يقبع ابن عدن الأصلي ضائعاً في زحام هؤلاء، يمضغ تمبله على الأرصفة مراقباً بنوسطالجيا حارقة مدينته وهي تتحول إلى إقطاعية لمن لا يملكون سوى عقلية البعار والتبعية العمياء.

إن الجناس بين بعرارتنا وبعار مثلثك هو جناس بين جغرافيا الصناعة والإنتاج، وجغرافيا لفظت مجاذيبها ليركبوا موجة الثورة ويظنوا أنهم قادة. 

ستظل المبيدات بصمة عالقة في تاريخكم، ومهما تملكت من الأراضي والفلل، فإن عقلية المجاذيب لا تبني دولاً، ومن نسي رائحة "الدي دي تي" في المحاجر، لا يمكنه اليوم أن يدعي السيادة على مدينة عريقة عرفت النظام والمدنية قبل أن تطأها أقدام هؤلاء الطارئين.

* كاتب وباحث يمني