Logo

معركة اليمن الحقيقية بناء الدولة لا تقاسم النفوذ

 الخروج من أزمة الدولة في اليمن لن يتحقق فقط عبر تغيير الأشخاص أو تبادل الأدوار بين القوى السياسية، بل يحتاج إلى بناء منظومة إدارية جديدة، تقوم على الشفافية والمحاسبة، وتعيد تعريف العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة..

 فسنوات الحرب والصراع لم تدمر البنية التحتية فقط، بل اضعفت الثقة العامة وخلقت حالة من الفوضى والفساد والتداخل بين النفوذ السياسي والإداري، حتى أصبحت مؤسسات الدولة عاجزة عن القيام بوظائفها الأساسية..

ومن المهم أن تتجه أي رؤية مستقبلية نحو إنشاء برامج وهيئات رقابية مستقلة، تمتلك صلاحيات حقيقية في مراقبة المال العام، وكشف الفساد ومحاسبة المتورطين دون إستثناء أو حماية سياسية..

 فغياب المحاسبة خلال العقود الماضية ساهم في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، وجعل الفساد جزءاً من إدارة الدولة بدلاً من كونه حالة استثنائية.. 

كما أن تعزيز إستقلال القضاء وإعادة بناء الأجهزة الرقابية، يمثل حجر الأساس لاي مشروع إصلاح حقيقي.

كما أن الدولة تحتاج الى برامج إدارية حديثة تعتمد على التحول الرقمي والشفافية في التوظيف والإنفاق والعقود الحكومية، بحيث تصبح المعلومات متاحة للمواطن ووسائل الإعلام ومؤسسات الرقابة ..

فكلما زادت الشفافية تراجعت فرص الفساد والمحسوبية، ومن الضروري أيضاً وضع معايير وأضحة للكفاءة في شغل المناصب العامة، بعيداً عن المحاصصة الحزبية والولاءات الضيقة، التي أنهكت مؤسسات الدولة وأفرغتها من الكفاءات..

ولا يمكن تحقيق الإصلاح دون أشراك المجتمع في عملية الرقابة وصناعة القرار من خلال دعم منظمات المجتمع المدني، وتفعيل دور الجامعات، ومراكز الدراسات، والإعلام الحر، في مراقبة الإداء الحكومي، وتقديم الرؤى والحلول. 

فالدولة الحديثة لا تقوم فقط على السلطة، بل على شراكة حقيقية بين المؤسسات والمجتمع، كما أن نشر ثقافة المساءلة في التعليم والإعلام سيساعد على بناء وعي جديد، يرفض الفساد ويطالب بالحقوق بطريقة سلمية ومستمرة.

وفي النهاية فان اليمن لا يحتاج فقط إلى إتفاقات سياسية توقف الحرب، بل إلى مشروع وطني شامل يعيد بناء مؤسسات الدولة على أسس العدالة والشفافية والكفاءة.

 لأن أستمرار الإدارة العشوائية والفساد والصراعات الداخلية، سيبقي البلاد في دائرة الإنهيار، مهما تغيرت التحالفات والوجوه .

بينما يمكن لوجود نظام مؤسسي وأضح وقوانين عادلة، ومحاسبة حقيقية، أن يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تستعيد فيها الدولة هيبتها، ويشعر المواطن بأن هناك مستقبلاً يمكن الوثوق به..

* سفير بوزارة الخارجية