Logo

خارطة السلام في اليمن بين ضرورات الأمن السعودي وأزمة الشرعية

 تبدو المملكة العربية السعودية اليوم أكثر ميلاً نحو خيار التسوية السياسية في اليمن، بعد سنوات طويلة من الحرب والاستنزاف العسكري والاقتصادي والأمني، خصوصاً مع تصاعد المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وما يرافق ذلك من مخاطر توسع الصراع في المنطقة وامتداد تداعياته إلى البحر الأحمر والخليج العربي. وهو ما دفع الرياض إلى البحث عن تهدئة طويلة الأمد تقلل من احتمالات الانفجار العسكري المباشر.

كما أن حالة الغياب الواضح للرؤية في ترتيب المشهد السياسي اليمني، وإعادة هيكلة السلطة الشرعية التي أصبحت تعاني من الضعف والانقسام والعجز عن إدارة الدولة أو تقديم نموذج فاعل للحكم، زادت من قناعة السعودية بأن استمرار الوضع الحالي لم يعد قابلاً للاستمرار، خاصة في ظل اتهامات متزايدة لبعض مكونات السلطة بالانشغال بالمصالح الخاصة والصراعات الداخلية، والاعتماد على الأموال والدعم السعودي دون القدرة على تحقيق أي إنجاز سياسي أو عسكري حقيقي.

غير أن الرغبة السعودية في تحقيق السلام تواجه إشكاليات معقدة تتعلق بطبيعة المشهد اليمني المنقسم، وتعدد القوى المحلية التي ظلت لسنوات تعتمد بشكل كبير على الدعم السعودي السياسي والعسكري والمالي، حيث تشعر كثير من القوى المناهضة للحوثيين أن الرياض باتت تتعامل مع الملف اليمني من زاوية أمنها القومي المباشر أكثر من تعاملها مع قضية استعادة الدولة اليمنية، وهو ما خلق حالة من القلق والارتباك داخل مكونات الشرعية والقوى المتحالفة معها، التي تخشى أن تتحول التفاهمات مع الحوثيين إلى تسوية على حسابها.

وتزداد الصورة تعقيداً مع تشابك الوضع في جنوب اليمن، حيث برزت خلال السنوات الماضية قوى جنوبية مدعومة من دولة الإمارات تمتلك نفوذاً عسكرياً وأمنياً وسياسياً واسعاً، وتسعى لفرض واقع سياسي مختلف عن الرؤية التقليدية لوحدة الدولة اليمنية، وهو ما خلق حالة من التباين غير المعلن أحياناً بين الرياض وأبوظبي فيما يتعلق بمستقبل اليمن وشكل السلطة فيه.

فبينما تركز السعودية على منع الانهيار الشامل والحفاظ على توازن سياسي يضمن أمن حدودها ومصالحها الاستراتيجية، تبدو الإمارات أكثر اهتماماً بتثبيت نفوذها في الموانئ والمناطق الساحلية وخطوط الملاحة. ورغم أن السعودية تدخلت عسكرياً وسياسياً في الجنوب، في مراحل سابقة، لاحتواء التوترات وتقليص حجم النفوذ المباشر للإمارات، فإن ذلك لا يعني انتهاء التأثير الإماراتي، حيث ما تزال أبوظبي تحتفظ بعلاقات قوية مع قوى عسكرية وأمنية وسياسية فاعلة على الأرض، الأمر الذي يجعل المشهد الجنوبي ساحة معقدة للتنافس والتفاهمات الإقليمية في آن واحد.

كما أن المشكلة الأكبر تتمثل في غياب مشروع وطني موحد داخل المعسكر المناهض للحوثيين، حيث تعاني القوى السياسية والعسكرية المرتبطة بالشرعية من الانقسامات والصراعات البينية والتنافس على النفوذ والمناصب، وهو ما أضعف قدرتها على فرض نفسها كشريك قوي في أي عملية سياسية قادمة.

وفي المقابل، استطاع الحوثيون تقديم أنفسهم كطرف أكثر تماسكاً وتنظيماً وقدرة على التفاوض، مما منحهم موقعاً متقدماً في المعادلة السياسية والإقليمية، وجعل السعودية تنظر إليهم باعتبارهم القوة الأكثر قدرة على ضبط الأرض ومنع الانفجار الحدودي والأمني.

وفي ظل هذه التعقيدات، يبدو أن مستقبل السلام في اليمن سيظل مرتبطاً بقدرة السعودية على بناء مقاربة أكثر توازناً، لا تقتصر فقط على التفاهمات الأمنية مع الحوثيين، بل تشمل أيضاً معالجة أزمة الثقة مع القوى اليمنية الأخرى، ودعم مشروع سياسي شامل يضمن مشاركة مختلف المكونات، ومعالجة القضية الجنوبية والتباينات الإقليمية بين الحلفاء أنفسهم؛ لأن أي تسوية لا تستند إلى شراكة وطنية حقيقية وتفاهمات إقليمية واضحة، ستبقي اليمن عرضة للانقسامات والصراعات، حتى وإن توقفت الحرب بصورة مؤقتة.

* سفير بوزارة الخارجية