Logo

الذاكرة اليمنية المنسية!!

 لم تكن كتابة هذه السطور ترفاً فكرياً، ولا محاولة لترصيع الكلمات، بل هي زفرة مصبوبة من قلبٍ يقطر دماً، ونفسٍ يتملكها الوجع والتألم كلما التفتت يمنة أو يسرة لتشاهد أحوال بلادنا المنكوبة بسياط التمزق والشتات. 

إنني أكتب وفي حلقي غصة, وفي عيني دمعة حائرة على وطنٍ كان يملأ الدنيا حضارة ونوراً، فغدا اليوم يتكفف الأمان، ويرزح تحت وطأة ضياعٍ مرير وهوانٍ لم نكن نستحقه يوماً. 

يدور في رأسي ليلاً ونهاراً سؤال الهوية المستلبة، هذه الهوية التي تاهت في دروب الزمان، لا لأنها غائبة أو منعدمة، بل لأن السلطات المتعاقبة على حكم هذه البلاد أهملت غرسها في وجدان الشعب،

 وتركتنا نعيش عالة على ولاءات ممزقة، وتوجهات متناحرة، ومذاهب ضيقة، غرقنا معها في مستنقع المناطقية، والقبلية، والأيديولوجيات المصطنعة، والجهل المتعمد الذي أفرغنا من كل شيء.

إن هذا الوجع يتعمق وأنا أرى النسيج الاجتماعي اليمني يتمزق بفعل تراتبيات وطبقيات مقيتة، جعلت من فئات واسعة من هذا الشعب تقع في أسفل الهرم، تعاني التهميش والاقصاء والازدراء، مما ولد في نفوسهم نقمة على المجتمع والبلاد معاً، 

فاندفعوا، بدافع الحاجة والظلم، للانخراط تحت أي أجندات أجنبية أو محلية، واستقطابات داخلية وخارجية، باحثين عن كرامة مهدورة، فصاروا أدوات لهدم وطنهم وهم لا يشعرون.

وقد قادني الفضول ذات يوم، وأنا أحمل هذا الهم الثقيل، إلى جلسة خاصة ضمتني بنخبة من المثقفين وبحضور دكتور أكاديمي، أستاذ جامعي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية. 

هناك، طرح أحد الحاضرين السؤال المأزوم الذي يدمي قلوبنا جميعاً: ما الذي أصاب شعبنا الواحد، ونحن إخوة في الدم والدين والنسب، ولماذا نحن ممزقون ومتناحرون إلى هذا الحد؟

 فما كان من الدكتور إلا أن استرسل في الحديث بمرارة وعمق، مشخّصاً السبب الرئيسي لكل هذا الخراب والدمار والتشظي في غياب الهوية اليمنية الجامعة، وكيف أن السلطات السابقة لم تعبأ بتوعية الشعب بتاريخه ورموزه العظام قديماً وحديثاً، ولم تكترث ببناء المناعة الفكرية التي تقينا عاديات الزمن.

ولقد أدهشني وأقنعني حديثه حين التفت إلى تفصيل نمر عليه كل يوم ولا ندرك خطورته، حيث أشار إلى أن ميادين اليمن الرئيسية وشوارعها وحدائقها تخلو تماماً من أسماء ملوك اليمن العظام، وقادتها، وفرسانها وتبابعتها الذين ملأوا الأرض شرقاً وغرباً. 

فبدلاً من أن تحمل شوارعنا أسماء تحيي الذاكرة، ارتضينا أن تُسمى بلادنا بلغة الأرقام الصماء والباردة، فصرنا نسير في شارع الخمسين، وشارع السبعين، وشارع الأربعين، وشارع الثلاثين، وشارع ستة عشر، وشارع صفر، وشارع الستين، وشارع المائة. 

إنها أسماء مجردة من الروح، ألغت تاريخنا وكأننا شعب بلا جذور، في حين كان الواجب يقتضي تسمية هذه المعالم بأسماء ملوكنا وقادتنا، وبناء معالم وتماثيل ونصوب في الدوارات والميادين تحمل تماثيل أو رموزاً تمثل أولئك الملوك، مع نبذة مختصرة عن تاريخهم ليعرف الشعب من هو، وسليل من يكون.

لو فعلنا ذلك، لكانت تلك الميادين حصناً منيعاً ومناعة للشعب ضد أي دخيل وطارئ يحاول سرقة وعيه أو توجيه ولائه لغير أرضه. 

كان حرياً بنا أن نرى أسماء وتماثيل الملك الرائش، ذلك الملك العظيم الذي تروي الأخبار سيره وأمجاده، والملك إفريقيس بن ذي المنار الذي سارت بفتوحاته الركبان وسميت باسمه قارة بأكملها، والملك الصعب ذو القرنين الذي جاب الأرض شرقاً وغرباً وبنى السدود وشيد الحصون. 

لو أن هذه الرموز حاضرة في فضاءنا البصري اليومي، لترسخ الوعي بالحضارة اليمنية في عقول الناشئة، ولكنا اليوم نسير في شوارع تنبض بالمجد لا بأرقام الرياضيات الجافة.

ولم يتوقف الإفراغ والجهل المتعمد عند تسمية الشوارع فحسب، بل امتد ليشمل تغييباً كاملاً لدور المؤسسات التنويرية، فقد كانت المدارس، والنوادي الثقافية، والمسلسلات التاريخية كفيلة بإعادة وعي الناس وضخ الحياة في عروق الهوية الميتة.

 لو أن المدارس علمت أبناءنا فخر الانتماء لهوية جامعة، ولو أن النوادي الثقافية تحولت إلى منارات تشع بالتاريخ والفكر، 

ولو أن شاشاتنا أنتجت مسلسلات تاريخية ضخمة تجسد أمجاد وتبابعة اليمن وسيرهم العظيمة، لما وجد الفكر الهدام ثغرة ينفذ منها إلى عقول شبابنا، ولما تركنا غارقين حائرين بين شعوب العالم التي تتسارع اليوم في مجالات العمران والاقتصاد والتكنولوجيا،

 بينما نحن نرزح تحت أفكار مدمرة وأجندات مريضة تأكل حاضرنا ومستقبلنا.

 لقد أفرغنا من كل شيء، من ذاكرتنا، وثقافتنا، ورموزنا، فاستبد بنا التيه.

ورغم كل هذا الألم وهذا التشخيص المرير، فإنني أرفض تماماً أن يتسرب الإحباط إلى قلوبنا، فالأمم العظيمة قد تمر بوعكات تاريخية قاسية لكنها لا تموت، 

واليمن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ثورة وعي شاملة تتجاوز العثرات وتستنهض الهمم. إن الحل ليس مستحيلاً، بل يبدأ من إعادة بناء الوعي بالذات وتفعيل الأدوات الحقيقية التي تجعل الشعب يلتف حول هويته اليمنية الجامعة، ويعيد بناء الثقة بمجتمعه وأرضه وثقافته وثراء تاريخه. 

إننا بحاجة إلى ثورة تعليمية تعيد صياغة المناهج بروح وطنية خالصة، وبحاجة إلى إعلام وثقافة وفنون ومسلسلات تنبش في أعماق طيننا اليمني لتستخرج منه ملاحم الفخر والاعتزاز، وبحاجة إلى كسر قيود التراتبية والطبقية لنشعر جميعاً بأننا شركاء في هذا الوطن بلا تمييز أو تهميش. 

حينها فقط، عندما يستيقظ الوعي وتستعاد الذاكرة المنهوبة، سيعود اليمنيون ليلتحموا من جديد كجسد واحد، وتتحطم على صخرة هويتهم كل المشاريع الدخيلة، لنبدأ معاً رحلة البناء واللحاق بركب الأمم، مستندين على إرث عظيم لملوك وتبابعة صنعوا التاريخ ذات يوم، وقادرين على صنعه من جديد.

* كاتب وباحث يمني