Logo

ما بعد الحرب المؤجلة: كيف يمكن للحوثيين أن يتحولوا إلى دولة حرب دائمة تهدد مستقبل السعودية والمنطقة؟

  لم تعد الحرب في اليمن مجرد صراع داخلي على السلطة، ولا مجرد مواجهة إقليمية مرتبطة بتوازنات النفوذ بين الرياض وطهران، بل تحولت تدريجيا إلى اختبار تاريخي لمفهوم الدولة في الجزيرة العربية كلها: هل تستطيع الدول المركزية في المنطقة أن تفرض الاستقرار والسيادة، أم أن الجماعات العقائدية المسلحة قادرة على فرض معادلة “اللا حرب واللا سلام” بوصفها نموذجا دائما للحكم والنفوذ؟.

هذه هي النقطة التي يبدو أن كثيرين لم ينتبهوا إليها بعد.

فالخطر الحقيقي في عدم حسم الحرب مع الحوثيين لا يكمن فقط في استمرار إطلاق الصواريخ أو تهديد الملاحة البحرية، بل في نشوء كيان مسلح طويل العمر يتغذى على الفراغ السياسي، ويعيد إنتاج نفسه اقتصاديا وأمنيا وعقائديا، حتى يتحول مع الوقت إلى “دولة حرب” لا تحتاج إلى السلام لكي تستمر، بل ترى في استمرار التوتر شرطا لبقائها..

وهنا يصبح السؤال الأخطر:

هل أخطأت السعودية حين تعاملت مع الحرب في اليمن باعتبارها أزمة قابلة للاحتواء، بينما كانت في الحقيقة مشروعا استراتيجيا لإعادة تشكيل موازين الأمن الخليجي كله؟.

الحوثيون لم يعودوا مجرد ميليشيا

الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه القوى الإقليمية منذ بداية الحرب هو الاعتقاد أن الحوثيين مجرد جماعة تمرد يمكن إنهاكها أو احتواؤها عبر التفاوض المرحلي أو الضغوط الاقتصادية،لكن ما حدث خلال السنوات الماضية مختلف تماما..

فالجماعة استطاعت أن تتحول من تمرد جبلي محدود إلى بنية سلطوية متكاملة تمتلك: اقتصاد حرب خاصا بها وجهازا أمنيا وعقائديا شديد الانغلاق وقدرة على تعبئة المجتمع عبر خطاب ديني وسياسي وخبرة عسكرية متراكمة وشبكة تهريب وتسليح وتمويل عابرة للحدود وقدرة على استخدام الجغرافيا اليمنية كأداة استنزاف دائم..

الأخطر من ذلك أن الحرب الطويلة منحت الجماعة ما لم تكن لتحصل عليه في أي ظرف آخر: الشرعية الواقعية بالقوة، فكل سنة تمر دون حسم تعني أن الجماعة تتجذر أكثر، وتتحول في الوعي الدولي من انقلاب مؤقت إلى سلطة أمر واقع. وهنا تبدأ المشكلة الكبرى بالنسبة للسعودية.

التهديد القادم ليس عسكريا فقط، بل استراتيجي طويل الأمد. من السهل النظر إلى التهديد الحوثي باعتباره تهديدا صاروخيا أو أمنيا مباشرا، لكن هذا توصيف ناقص للغاية. 

الخطر الحقيقي يتمثل في أن وجود جماعة عقائدية مسلحة على حدود المملكة يعني أن الجنوب السعودي سيظل مرتبطا بحسابات الطوارئ الأمنية، حتى في أوقات التهدئة..

إن أخطر ما قد تكتشفه الرياض مستقبلا هو أن الحرب غير المحسومة لا تمنع التنمية فقط، بل تؤثر على سمعة الاستقرار نفسها، إضافة إلى نشوء نموذج إقليمي جديد للجماعات المسلحة، والمعضلة الكبر أن التحالف تعامل مع الحرب أحيانا بعقلية إدارة الأزمة لا إنهائها،

 فبدلا من بناء مشروع سياسي وعسكري يهدف إلى استعادة الدولة اليمنية بشكل كامل، تحولت المعركة تدريجيا إلى موازنة معقدة بين: منع الانهيار الكامل، وإدارة التوازنات المحلية والإقليمية..

والسؤال الذي يفرض نفسه: هل أصبح الحسم مستحيلا؟ ليس بالضرورة، لكن مفهوم الحسم نفسه يجب أن يتغير، 

فالحسم اليوم لم يعد يعني فقط السيطرة العسكرية على المدن، بل يتطلب مشروعا شاملا يقوم على: إعادة بناء الدولة اليمنية كمؤسسة حقيقية، واستعادة القرار السيادي اليمني، وإنهاء اقتصاد الحرب، ودمج القوى المحلية ضمن مشروع وطني موحد، وبناء شرعية مستقلة لا تبدو رهينة للخارج، وخلق سلام يقوم على توازن القوة لا على تجميد الصراع..

الخاتمة: المنطقة أمام لحظة تاريخية مؤجلة

الحروب لا تقاس بعدد السنوات، بل بما تتركه بعدها من خرائط وقواعد جديدة. واليمن اليوم يقف عند لحظة فاصلة: إما أن يتحول إلى دولة مستقرة تستعيد سيادتها كاملة، أو يصبح نموذجا دائما للفوضى المسلحة منخفضة الحدة، وفي الحالة الثانية، فإن السعودية لن تواجه مجرد جار مضطرب، بل حدودا مفتوحة على احتمالات لا تنتهي.