Logo

النخب اليمنية: حين يتحول التعايش مع الهزيمة إلى عقيدة سياسية

 ليست الهزيمة دائما حدثا عسكريا أو سياسيا عابرا، أحيانا تتحول إلى حالة ذهنية مزمنة. 

تبدأ كصدمة، ثم تصبح عادة، ثم تنتهي إلى نمط تفكير كامل يعيد إنتاج العجز كل يوم، حتى تتوقف النخب عن محاولة التغيير، وتكتفي بإدارة الانحدار..

وهذا بالضبط ما حدث لكثير من النخب اليمنية منذ 2014.

منذ تلك اللحظة المفصلية، لم تتصرف أغلب القوى السياسية وكأنها أمام كارثة تستدعي إعادة بناء المشروع الوطني، بل تصرفت كمن دخل في حالة شلل نفسي طويل. 

لم تنتج مراجعات حقيقية، ولم تقدم مشروعا مختلفا، ولم تعد تعريف أدواتها أو أولوياتها، بل اكتفت بمراقبة الخراب وهي تلوك رواية الهزيمة نفسها كل يوم!.

التماهي مع العجز

أخطر ما يمكن أن يصيب النخب ليس الفشل، بل التماهي مع الفشل

الفشل قد يكون بداية مراجعة وانطلاق جديدة، أما التماهي معه فيعني أن تتحول الهزيمة إلى هوية نفسية وسياسية، عندها لا يعود العجز شيئا تريد تجاوزه، بل شيئا تسكن داخله وتبرر وجودك من خلاله..

وهذا ما نراه بوضوح:

خطاب سياسي يكرر الشكوى نفسها وانتظار دائم لـتدخل خارجي وتعليق كل فشل على الآخرين وعجز كامل عن إنتاج مبادرة مستقلة وكأن النخبة لم تعد ترى نفسها فاعلا، بل ضحية أبدية للأحداث..

من السياسة إلى البكاء على الأطلال

حين بكى عبد الله الصغير، آخر ملوك الطوائف في الأندلس، لم يكن المشهد مأساة ملك خسر عرشه فقط، بل مأساة عقلية سياسية كاملة عاشت الانقسام حتى سقطت، ثم اكتفت بالبكاء بعد فوات الأوان. 

المشكلة لم تكن في الدموع، بل في أن البكاء جاء بديلا عن الفعل. وهذا ما تعيشه قطاعات واسعة من النخب اليمنية اليوم:

اجترار دائم للهزيمة وحديث لا ينتهي عن المؤامرات

ولوم متبادل بين القوى دون أي مشروع حقيقي يعيد بناء المجال السياسي أو الاجتماعي، لقد تحولت الهزيمة من حادثة إلى “لغة سياسية” كاملة..

النخبة التي تنتظر المعجزة

النخب الحية تصنع المبادرات، أما النخب الميتة فتنتظر الحلول كما لو أنها ستنزل من السماء. 

في اليمن، أصبح الانتظار عقيدة: انتظار تسوية خارجية وانتظار متغير إقليمي وانتظار انهيار الخصم وانتظار تدخل دولي وانتظار معجزة سياسية، لكن لا أحد يسأل السؤال الأهم: ماذا فعلت النخبة نفسها غير الانتظار؟.

ماذا تحتاج اليمن اليوم؟

اليمن لا تحتاج مزيدا من النخب التي تحفظ خطابات الهزيمة عن ظهر قلب ولا تحتاج طبقة سياسية تعيش على أرشيف الماضي، ما تحتاجه هو: عقل سياسي جديد وشجاعة في المراجعة وقدرة على الاعتراف بالأخطاء

ومشروع يعيد تعريف معنى الدولة والمجتمع خارج عقلية الغنيمة والانتظار، فالأمم لا تنهض لأن الظروف تحسنت فجأة، بل لأن هناك من قرر التوقف عن التعايش مع العجز؟.