Logo

نعيش كشعب الله المحتار!!

 كل من هم في المشهد اليمني اليوم سوف يختفون في أقل من عقدين على الأكثر، وسيتساقطون أمامنا كأوراق الخريف الجافة، وفي كل مرة يرحل أحدهم سننقسم كالعادة إلى مجموعات متناحرة؛ مجموعة تبكي وتحاول إقناعنا بأننا خسرنا شخصية تاريخية فذة، 

ومجموعة أخرى تنفي صنيعهم وتلعن حقبتهم، ومجموعة ثالثة تبتسم بمرارة، بينما الحقيقة الثابتة التي نتفق عليها جميعاً هي أننا مجرد يمنيين غلابة يتسمون بالبساطة المفرطة من رئيس الدولة إلى أبسط مواطن، 

فنحن شعب لا يعرف معنى الإنجازات الكبرى ولا النجاحات الحقيقية بين الأمم، بل نعيش ثقافة "شقاة عند الغير وباليومية"، نلهث وراء قوت يومنا لنشبع ثم نعود لنشاكس بعضنا بعضاً،

 والمحصلة النهائية أننا نعيش كشعب الله المحتار، نقضي أيامنا في عبث مستمر، ولن تخسر البشرية ولا التاريخ ولا الحضارة شيئاً إذا لم يعد لليمن وقياداته الحالية وجود على هذه الأرض.

لقد تابعت مؤخراً أخبار رحيل الرئيس هادي، وقبله بأشهر رحيل البيض، ومن قبلهم صالح وغيرهم من رموز المشهد، ليتملكني سؤال ملح: أليس كافياً كل هذا الموت لكي نصحى من غفلتنا دون إنجازات تترك للأجيال؟

 إن هذه السنوات الطويلة تجلي أمامنا بوضوح حقيقة الوجود الإنساني في تلك الأمانة العظيمة التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال وتحملها الإنسان بظلمه وجهله لنفسه، ليكون الكائن الوحيد الذي يقف حائراً بين نداء العمل النقي والفضيلة وبين واقع الغفلة والتمادي، 

وفي غمرة هذا الجهل نرى قادة اليمن يهربون إلى الأقاصي نحو العدمية والانتهازية المفرطة بعيداً عن مجتمعهم، يبحثون عن "الفشخرة" الكاذبة والمصالح الضيقة لأسرهم تاركين الشعب للمعاناة، 

متجاهلين المسؤولية الملقاة أمام أعينهم والخراب الذي يحيط ببلدهم دون أن يتعلموا من التاريخ أو يستغلوا الفرص المتاحة لصناعة الفارق.

ودعونا ننظر أولاً كيف تصرف قادة العالم في لحظات التحول التاريخي ثم ننظر إلى قادتنا لنعرف لماذا وصلنا إلى قاع القائمة العالمية بسببهم وبسبب من بات معنا بفضلهم بلد ممزق ومنهار لن يتركونا إلا بعد تحويله إلى بلد محطم تماماً،

 إذ تظهر التجارب الإنسانية أن القائد وفريقه هما الفارق الحقيقي بين نهضة الأمم ودمارها مهما كانت تعقيدات المشهد، 

وهو ما يتضح جلياً عند تأمل قصة لي كوان يو الذي تسلم سنغافورة عام 1965 كدولة مجهرية مطرودة بلا موارد طبيعية ولا سوق داخلي أو حتى مياه شرب كافية، لكنه برؤيته الصارمة وعقليته العملية حوّلها في أقل من ثلاثة عقود من مستنقع فقير مستهدف إلى واحدة من أقوى الاقتصادات وأكثرها شفافية وعدالة في العالم، ولذا لم ينسَ شعبه ولا بقية العالم ما صنع.

 ويتأكد هذا الدور المحوري للقيادة الحكيمة بالتزامن مع تجربة ملهمة أخرى في جنوب أفريقيا حيث خرج نيلسون مانديلا عام 1990 بعد سبعة وعشرين عاماً خلف القضبان ليقود بلداً يترنح على حافة حرب أهلية عرقية مدمرة دون جيش يحميه أو قبيلة تسنده سوى إيمانه بقضيته وفضيلته وسجله النضالي النظيف،

 فاختار الحكمة والمصالحة عبر لجنة الحقيقة والمصالحة ورفض الانتقام، وفي المقابل امتلك الرئيس الأبيض فريدريك دي كليرك الشجاعة لإلغاء القوانين العنصرية وتسليم السلطة سلمياً لينقذا معاً بلدهما من مجزرة محققة، 

واليوم تنطلق جنوب أفريقيا بين الأمم اقتصادياً ومعرفياً ولم ينس العالم ما قاموا به لأنهم حملوا الأمانة بأفضل طريقة ممكنة، 

وهي نفس الروح السلمية الشجاعة التي تجسدت في المهاتما غاندي الذي واجه أعتى إمبراطورية في العصر الحديث دون رصاصة واحدة مستخدماً العصيان المدني والمقاطعة والصيام كأدوات سياسية حركت الملايين نحو استقلال الهند عام 1947 وأسست لمدرسة نضالية ألهمت العالم،

 وفي المقابل عندما خرجنا نحن إلى الشوارع في الربيع العربي تم تدمير أحلامنا كشعب وسُحقت مقدراتنا بالحروب والصراعات والصوملة والأفغنة بسبب هذه القيادات ذاتها التي نبكي عليها اليوم.

ومثلما صنعت القيادة المعجزات سلمياً فقد صنعتها أيضاً عبر التحديث الجذري والقوي كما فعل مصطفى كمال أتاتورك الذي خرج من رماد الإمبراطورية العثمانية المنهارة والواقعة تحت الاحتلال الأجنبي ليقود حرب استقلال شرسة طرد فيها المحتلين وأسس جمهورية حديثة وعلمانية عام 1923 

غيّرت وجه تركيا التعليمي والقانوني والصناعي وجعلتها قوة إقليمية واقتصاداً نفاخر به اليوم وكان شعاره حياة كريمة للجميع ولذا خلده شعبه في ذاكرته.

 وتماماً كما فعل مهاتير محمد عندما انتشل مجتمعه الماليزي من الفقر والجهل والمرض وحتى عندما ضربت الأزمة المالية الآسيوية المنطقة عام 1997 ودمرت اقتصادات الجيران امتلك الشجاعة لرفض إملاءات صندوق النقد الدولي وفرض قيوداً صارمة على حركة رؤوس الأموال ليقود ماليزيا إلى تعافٍ قياسي صنفها كدولة صناعية متقدمة ومستقرة. 

وفي ذات السياق لو نظرنا لقيادات دول عظمى فمن الحكمة وحسن الإدارة برزت أنجيلا ميركل التي قادت ألمانيا والاتحاد الأوروبي عبر حقل ألغام من الأزمات المتلاحقة كالأزمة المالية وأزمة الديون السيادية وتدفق اللاجئين وخروج بريطانيا وجائحة كورونا فكانت صوت العقل والاستقرار وحالت دون انهيار الاتحاد الأوروبي أو تمزقه وخرجت من السلطة تاركة بلدها في قمة مجده الاقتصادي والسياسي.

وإذا نظرنا إلى منطقتنا نجد النهج التحديثي في تجربة الحبيب بورقيبة في تونس حين ورث بلداً مثقلاً بالجهل والتبعية بعد الاستعمار الفرنسي فخاض معركة التحديث ضد الجمود وركّز على التعليم والصحة وحرر المرأة مما نقل تونس لتصبح دولة مؤسسات واستقرار وصار الشعب التونسي من أكثر شعوب المنطقة تعليماً وإبداعاً برغم شحة الموارد مقارنة باليمن. 

ولو نظرنا لشعوب الصراعات نجد كيف نجح ميلان كوتشان برؤية دبلوماسية ذكية في قيادة بلاده الصغيرة سلوفينيا نحو الاستقلال عن يوغوسلافيا عام 1991 منهياً حرب الأيام العشرة ومركزاً على بناء دولة ديمقراطية هادئة نجحت في الانضمام للاتحاد الأوروبي لتصبح اليوم أغنى دول البلقان وأكثرها استقراراً.
 
وانظروا للرئيس السوري احمد الشرع وفريقه والتغيرات التاريخية المماثلة حيث تبرز قدرة الكفاءة الوطنية على إحداث الفارق. أو كيف استطاعت قيادات ملهمة في إثيوبيا في فترات وجيزة أن ترسم مسيرة استقرار لأمة كاملة وتنطلق بمجتمعها نحو البناء وقد كانت دولة كلها صراع وفقر وافقر من اليمن مرات عدة. 

وانظروا إلى قيادة رواندا كيف انتشلت بلادها من قاع المجازر والصراعات الوجودية لتتحول إلى دولة نمو واستقرار وتعايش يشار إليها بالبنان. فماذا صنعت قيادات اليمن في المقابل غير الفشل والانهيار والتمزيق والشتات؟

وعلى الطرف الآخر من هذه المعادلة العقلانية نرى الكارثة اليمنية التي تتجلى فيها مأساة بلد يمتلك كل مقومات النجاح من كتلة بشرية حيوية وموقع استراتيجي استثنائي يسيطر على أهم مضائق العالم إلى تنوع مناخي ومتحف طبيعي وتاريخي، 

وإذا أخذنا عدن كمثال حي سنجد أنها في عام 1965 كانت تمتلك شبكات كهرباء ومياه وتخطيطاً حضرياً ونشاطاً مينائياً متطوراً وكان حالها ومستقبلها واعداً وأفضل من سنغافورة ودبي والدوحة في ذلك الوقت، 

ولكن بينما صعدت تلك المدن إلى عنان السماء تعاني عدن اليوم من الظلام الدامس وغياب الخدمات الأساسية، 

ويعود السبب في هذا الانهيار باختصار إلى الفشل الذريع للقيادة السياسية والنخبة المثقفة حيث تداول على حكم اليمن قادة لم يتركوا للأجيال شيئاً يُذكر سوى وطن ممزق وشعب مشرد وجواز سفر أهين حامله في مطارات العالم

 بعد أن جلبوا لمفاصل الدولة كل فاسد وجاهل وانتهازي وقايضوا الثروات السيادية والمصالح الوطنية العليا بمكاسبهم الشخصية الضيقة حتى تحول اليمن إلى أكبر كارثة إنسانية في العالم. 

والمصيبة الأكبر لا تكمن في فشل هؤلاء فحسب بل في سلوك طبقة المتعلمين والمثقفين التي يغلب عليها النفاق والدجل السياسي إذ تقسم إلى جبهات إعلامية متناحرة تتفنن جبهة منها في تلميع الطغاة والمليشيات ومشاريع التمزيق

 وتتطوع جبهة أخرى لتبرير الفشل بادعاء أن الصناديق السيادية للدول الغنية لم تكن بيدهم بينما تفرغ جبهة ثالثة لتبييض المشاريع المريضة المدعومة من الخارج واصفين الفاشل بالداهية والمنظر في سلوك يبعث على الخجل والاشمئزاز. 

ويزيد الطين بلة من يقول لم يكن هذا القائد او ذلك عنده فرصة اي نحتاج نصلح له اوضع مثل السويد ليأتي يتزعم وتفشخر بفشله.

والحقيقة المطلقة التي يتناساها الجميع وسط هذا الصراع والضجيج هي أن الموت نهاية محتومة لكل نفس، وأن كل إنسان على هذه الأرض، ملكاً كان أم صعلوكاً، قائداً فاسداً أم مطبلاً منافقاً، يسير بخطى ثابتة نحو قبره ورحيله الأخير، ويموت من يموت ولن يكون هناك شيء نذكرهم به سوى أننا اليوم نعيش في ذيل القائمة العالمية في الفقر والتعليم والإنتاج والخوف والقلق، 

والكل شارك في صنع هذا الخراب بما فيهم أولئك المطبلون وأصحاب الجبهات الإعلامية، إن المعادلة الحقيقية هي أن من يحكمون مفاصل القرار ومن يتحدثون ويمثلون اليمن هم العاجزون وهناك من يستمر في تلميعهم بامتياز رغم الضنك البالغ.

 وإذا أردنا كسر هذه الدائرة المفرغة وتفجير طاقات المجتمع للتنمية فما علينا إلا التوقف عن توصيف الفشل أنه قدرنا وجيناتنا التي لا مفر منها وإسقاط هذا الوهم من عقولنا لنبدأ بمحاسبة كل مسؤول بناءً على الأرقام والمنجزات الملموسة،

 ولندرك في النهاية أن الإنسان خُلق من عجل، لكن بإمكاننا اختيار الشيء الذي نستعجل من أجله. فاستعجلوا في إيجاد منجزات للمجتمع في بناء تعايش وسلام واستقرار وفي فتح فرص واستثمارات قبل أن يغيب الموت وجوه الجميع وينتهي بهم الأمر لا أثر في الدنيا ولا قبول لهم ولا أحسنوا لقاء ربهم. 

واستعجلوا لندرك أننا صغار بين شعوب المنطقة والعالم  وأن قيادة اليمن بمستوياتها من رئيس الدولة إلى أصغر شخص فينا هم سبب جعل حياة اليمني معاناة لا تنتهي، واستعجلوا لتدركوا وتوقنوا تماماً أنها أيام معدودة تمر بسرعة على كل حي وسيموت الجميع دون استثناء. 

واستعجلوا لتفهموا أنه لن يبقى إرث بعد فناء الأجساد سوى الإنجاز والأثر ولم أجد لقيادة اليمن إلا أنهم ورثونا الشتات والفقر والمهانة، واستعجلوا لتفهموا في آخر أنفاسكم ومغادرتكم لهذه الحياة أنها ستختفي كلها وتزول مع الوقت، فاستعجلوا لكي تضحكوا وتنظروا وتكتفوا، استعجلوا.