اليمن: حين تسقط الدولة في وعي مواطنيها
في اليمن لم تعد المشكلة سياسية فقط، بل تحولت إلى أزمة وعي جماعي تجاه معنى الدولة نفسها.
لقد اختلطت في الذهنية العامة رمزية الوطن بالأشخاص، واختزلت المؤسسات في الأفراد، حتى أصبح الخلاف مع الحاكم مبررا لهدم فكرة الحكم، والخصومة مع الرئيس سبباً لإهانة مؤسسة الرئاسة ذاتها..
حين اختلف اليمنيون بالأمس حول عودة جثمان الرئيس عبدربه منصور هادي، لم يكن الجدل في جوهره متعلقا بالرجل بقدر ما كان متعلقا بفكرة الدولة وهيبتها.
فالرئيس ــ أي رئيس ــ ليس مجرد شخص عابر، بل يمثل رمزاً سيادياً لكيان أسمه الجمهورية اليمنية، واحترام هذا الرمز ليس دفاعاً عن أخطاء الأشخاص، بل دفاع عن معنى الدولة نفسها.
لكن كثيرين لم يعودوا قادرين على التمييز بين نقد الحاكم وبين تحطيم المؤسسة التي يمثلها..
والأمر ذاته تكرر مع الرئيس علي عبدالله صالح، إذ اندفع كثيرون إلى التقليل من الرجل بطريقة تجاوزت نقد تجربته السياسية إلى تحقير مؤسسة الرئاسة ذاتها، دون إدراك أن الشعوب التي تهين رموز دولها تفقد تدريجياً احترامها لفكرة الدولة،
فالدولة لا تسقط فقط بالسلاح، بل تسقط أولًا عندما تفقد قيمتها المعنوية في وعي مواطنيها..
لقد دخل اليمن في حالة عدمية خطيرة، حالة لم يعد فيها لأي شيء قيمة ثابتة: لا للمؤسسات، ولا للقانون، ولا للرموز الوطنية، ولا حتى لمعنى السيادة.
وأخطر ما في هذه العدمية أنها لا تنتج مشروعا بديلاً، بل تنتج فراغاً هائلاً تتغذى عليه المليشيات والجماعات المسلحة، فحين يفقد المواطن ثقته بالدولة، يبحث عن الطائفة، أو القبيلة، أو الجماعة المسلحة، باعتبارها البديل الوحيد القادر على توفير الحماية والانتماء!.
لهذا يبدو اليمني اليوم بارعاً فقط في معرفة ما لا يريده.
يرفض الجميع الجميع، ويعادي الجميع الجميع، لكن لا أحد يمتلك تصوراً جامعاً لما يجب أن تكون عليه الدولة.
وهذه أخطر مراحل الانهيار، لأن غياب المشروع الوطني المشترك يحول المجتمع إلى جزر متصارعة، ويجعل المواطن في مواجهة المواطن، بينما تنمو المليشيات في المساحات التي يتركها انهيار الدولة..
المليشيات لا تزدهر في المجتمعات المتماسكة، بل في المجتمعات التي تتآكل فيها قيمة المؤسسات.
وهي لا تنتصر بقوتها فقط، بل بانهيار المعنى لدى خصومها.
فعندما يصبح التشكيك بكل شيء ثقافة عامة، وعندما تتحول السخرية من الرموز الوطنية إلى نوع من البطولة، يصبح من السهل هدم أي كيان جامع، ويصبح الوطن نفسه مجرد فكرة باهتة لا تستحق الدفاع عنها..
لقد خسر اليمنيون تدريجياً الإحساس بهيبة الدولة، لأنهم لم يعودوا يرون في المؤسسات كياناً مستقلاً عن الأشخاص.
وهذه إحدى أكبر الكوارث الفكرية التي أصابت اليمن، إذ لا يمكن بناء دولة في مجتمع يربط احترام المؤسسات بحب الأشخاص، ولا يمكن استعادة السيادة في شعب فقد إيمانه بمعنى الوطن نفسه..
إن أخطر ما تعيشه اليمن اليوم ليس الحرب وحدها، بل هذا الانهيار البطيء لفكرة الدولة في الوعي الجمعي.
فالأوطان لا تبنى بالكراهية، ولا تدار بردود الأفعال، ولا تبقى حين تتحول السياسة إلى تصفية رمزية مستمرة لكل ما يمثل الدولة..
ولهذا فإن معركة اليمن الحقيقية ليست فقط مع المليشيات، بل مع هذه العدمية التي تلتهم معنى الوطن من الداخل، لأن سقوط الأوطان لا يبدأ بانهيار الجيوش، بل بانهيار الفكرة التي تجعل الناس يؤمنون أن هناك وطنا يستحق البقاء أصلا..