Logo

من دعاة الإصلاح إلى حراس الأمر الواقع في وزارة الخارجية اليمنية

 في اليمن تتكرر القصة ذاتها بصورة تكاد تكون مملة. 

فكلما كان المسؤول بعيدًا عن المنصب رفع راية الإصلاح، وتحدث عن القانون والعدالة والمؤسسية ومحاربة الفساد. 

وما إن يصل إلى موقع القرار حتى تتبخر تلك الشعارات تدريجيًا، ليصبح جزءًا من الواقع الذي كان ينتقده، أو مدافعًا عنه أو متعايشًا معه على أقل تقدير.

 وما يجري اليوم في وزارة الخارجية اليمنية، يقدم نموذجًا صارخًا لهذه الظاهرة التي أصبحت أحد أسباب فشل مؤسسات الدولة، وعجزها عن استعادة ثقة المواطنين.

عندما تولى الدكتور شائع الزنداني وزارة الخارجية، ثم اختير السفير مصطفى نعمان نائبًا له، استبشرت قطاعات واسعة من كوادر الوزارة خيرًا. 

فقد أعتقد كثيرون أن مرحلة جديدة بدأت، وأن الوزارة ستشهد إصلاحات حقيقية تعيد الاعتبار للكفاءة والمهنية، وتضع حدًا لسنوات طويلة من العبث الإداري، والتعيينات القائمة على النفوذ والوساطات، والانتماءات السياسية والمناطقية 

وازدادت هذه الآمال مع بعض الخطوات الأولية، التي أوحت بأن هناك رغبة في تصحيح الاختلالات المتراكمة داخل المؤسسة الدبلوماسية.

لكن ما حدث لاحقًا كان مختلفًا تمامًا. 

فقد انتقل وزير الخارجية إلى رئاسة الوزراء مع احتفاظه بحقيبة الخارجية، واستمر نائب الوزير في موقعه، غير أن الإصلاحات التي انتظرها الموظفون والدبلوماسيون لم تأتِ.

 بل إن كثيرًا من الملفات التي كانت محل انتقاد واسع، بقيت على حالها، واستمرت التجاوزات الإدارية، والتعيينات غير المستحقة، فيما خفت الحديث عن تطبيق القانون ومحاسبة المتنفذين داخل الوزارة.

الأكثر إثارة للاستغراب، أن بعض من كانوا يرفعون أصواتهم ضد المحسوبية والفساد، عندما كانوا خارج دائرة السلطة أصبحوا أكثر صمتًا تجاه الممارسات نفسها بعد وصولهم إليها 

وكأن المشكلة في اليمن ليست في معرفة مكامن الخلل، فالجميع يعرفها بل في غياب الإرادة لمواجهتها، عندما تتعارض مع حسابات النفوذ وموازين القوى، ومصالح المجموعات المتحكمة بمفاصل المؤسسات..

ولا تزال وزارة الخارجية، تعاني من آثار سنوات طويلة من التعيينات، التي تمت خارج الأطر القانونية، ومن خارج كوادر السلك الدبلوماسي .

كما لا يزال كثير من الموظفين يشعرون بأن فرص الترقي والتأهيل والتمثيل الخارجي، لا تخضع لمعايير مهنية واضحة، بقدر خضوعها لعلاقات النفوذ والقرابة والمحسوبية المناطقية.

 أما الحديث عن إصلاح حقيقي فقد تحول في نظر كثيرين إلى مجرد خطابات موسمية، تتكرر مع كل تغيير في القيادة ثم تختفي عند أول اختبار جاد.

لقد أصبحت المشكلة أعمق من مجرد أخطاء إدارية، أو قرارات فردية، فهناك منظومة مصالح تشكلت خلال سنوات الحرب، واستفادت من غياب الرقابة والمؤسسات، هذه المنظومة لا تدافع عن أشخاص بقدر ما تدافع عن امتيازاتها ومصادر نفوذها. 

ولذلك فإن أي مشروع إصلاحي حقيقي يصطدم بها سريعًا، ما لم تتوفر إرادة سياسية قوية ومستقلة، قادرة على فرض القانون على الجميع دون استثناء.

إن أكثر ما يثير الإحباط لدى كوادر وزارة الخارجية، ليس استمرار الفساد فحسب، بل الشعور بأن من علقوا عليهم آمال الإصلاح اختاروا التعايش مع الأمر الواقع بدلًا من تغييره. 

فالصمت أحيانًا لا يقل ضررًا عن المشاركة والتغاضي عن المخالفات، لا يختلف كثيرًا عن تبريرها، والنتيجة واحدة استمرار تآكل الثقة بالمؤسسة، وتكريس القناعة بأن الوصول إلى المنصب في اليمن لا يغير الواقع، بل يغير مواقف الكثير ممن كانوا يتحدثون باسم الإصلاح..

التاريخ السياسي اليمني مليء بالشخصيات التي غادرت مواقعها، ولم يبقَ منها سوى ما قدمته للناس وللدولة.

 أما المناصب فزائلة والنفوذ مؤقت، والثروة لا ترافق أصحابها عندما يرحلون، الذي يبقى هو الأثر والإصلاح الحقيقي، والقرارات التي أنصفت الناس وحمت المؤسسات.

 ولهذا فإن السؤال الذي يطرحه كثير من موظفي وزارة الخارجية اليوم، ليس من يشغل المنصب، بل ماذا تحقق من الوعود التي قُدمت باسم الإصلاح، ولماذا تبددت تلك الوعود بعد الوصول الى السلطة؟؟..

* سفير بوزارة الخارجية