حين تبكي المدن عقوق حكامها
حين غاب المشروع الوطني الجامع، وتوارت القيادة الوطنية الملهمة والجامعة لشتات اليمنيين، تحول الوعي المجتمعي من العقلانية إلى النكاية والمعاندة و أحيانا للعصبية العمياء.
وأصبحت المواقف السياسية مجرد ردود أفعال عاطفية مغلفة بالمناطقية والطائفية والمذهبية بعيدا عن العقل والمنطق والعدل، وصارت المواقف مجرد عناد متبادل.
لذلك لم يعد يُقيم أو يُقاس أداء الحاكم بكفاءته وخدمته لشعبه وحفاظه على السيادة الوطنية، بل يُقاس بسوء أفعال من حكم بعده، ولم يعد يُدار الصراع بمنطق المصلحة الوطنية العامة بل برغبة قهر الآخر المختلف معنا والنكاية به.
لذلك أصبح مجتمعنا اليمني ضحية مقايضة خاطئة جدا، حيث يفاضل فيها بين سيئ الأمس وأسوأ اليوم، وفي وسط هذه المقايضة والمقارنة البائسة لم يعد هناك مجال لطرح الأمثل والأصلح لحكم بلادنا اليمن أيا كان انتماؤه السياسي أو توجهاته وأرائه.
لكن ثقوا بأن التاريخ قد يكتبه منتصر اليوم لكن لن يخلد في صفحات التاريخ وفي قلوب الناس إلا ذلك المنتصر لخدمة الوطن والشعب، فهؤلاء فقط هم من ستحفظهم ذاكرة الأجيال وقلوبهم بكل خير حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
(حين تبكي المدن عقوق حكامها)
صباح هذا اليوم قادتني خطواتي نحو صنعاء القديمة، بعد انقطاع طويل منذ اندلاع الحرب، ذهبت لألتقي مجددا بالتاريخ، فاصطدمت بواقع يفطر القلب ألماً.
كان المشهد قاسياً، الفوضى تلتهم شوارعها العتيقة، نفايات يختنق بها المكان، سيارات وبسطات تسد الطريق، وهياكل سيارات مهترئة ترقد تحتها أكوام من القمائم المنسية.
تأملتُ بيوتها، فتلك الواجهات التي طالما تغنينا بجمالها، وقفت اليوم باهتة شاحبة تملأ وجهها تجاعيد الشروخ والشقوق، أنابيب المياه تزحف في شوارعها وقد خرجت منها عشرات الخراطيم والشفاطات التي تخوض صراعا يائسا من أجل الفوز بشربة ماء، وأسلاك الكهرباء المتشابكة العشوائية تلتف حول مبانيها كأنها تخنق أعناقها لتقضي ما تبقى من بهائها، أما الروائح الكريهة فحدث ولا حرج!
رأيتها كحسناء أضناها الشقاء، واستنزفتها الحرب، وتركها الإهمال تواجه مصيرها وحيدة، أما ساكنيها فسلام عليهم فقد طالهم من العناء والشقاء والتعب ما طالها.
أيعقل أن تُترك هذه الفاتنة التي أذهلت العالم دون قلب يرثي لحالها؟
ليست صنعاء وحدها من تتألم، بل هو حال كل مدينة في هذا الوطن، مدن تبكي عقوق من حكموها وجحدوا فضلها عليهم، والله إنه وجع يتجاوز حدود الكلمات، وجع كبير كبير بحجم هذا الوطن.
* أكاديمي وباحث يمني