من سنغافورة إلى إثيوبيا واليمن خارج التوقيت!!
ذكّرني الصديق الدكتور محمد يحيى بهذه الصورة التي التُقطت قبل عشر سنوات بالضبط.
كنا نتحدث وقتها عن الهمّ الذي لا يغيب، وعن ذات السؤال المؤرق: لماذا يبدو اليمن خارج التوقيت؟
اليوم، وأنا أتأمل تلك الصورة، أجد أننا تقدمنا في العمر عشر سنوات بالضبط، بينما زاد تراجع اليمن عن العالم ثلاثين عاماً.
فكل يوم نفتح أعيننا على عالم لا ينتظر أحدًا. دول تتسابق، تستثمر، تبني، وتخطط لعقود قادمة، بينما ما زلنا ندور في الحلقة نفسها: نراقب، نبرر، ونعيد إنتاج الفشل.
ففي منطقتنا العربية، تُضخ مئات المليارات في مشاريع تعيد تشكيل المستقبل.
المملكة العربية السعودية تمضي، ضمن رؤيتها الاستراتيجية ومشاريعها العملاقة، في استثمارات تُقدّر بتريليونات الدولارات، لبناء مدن ذكية ومحايدة كربونيًا، وتأسيس نموذج اقتصادي قائم على الابتكار والاستدامة.
وفي الإمارات، تُستثمر عشرات المليارات، من بينها نحو 35 مليار دولار لتطوير مطار آل مكتوم الدولي ليصبح الأكبر في العالم بطاقة استيعابية تصل إلى 260 مليون مسافر.
هذه ليست أرقامًا دعائية، بل استثمارات تُترجم إلى بنية تحتية متقدمة وفرص اقتصادية ملموسة.
وكذلك الحال في قطر وسلطنة عُمان، حيث تتسارع مشاريع التنويع الاقتصادي وتحديث البنية التحتية.
واللافت أن هذا المسار لا يقتصر على الدول الغنية. فإثيوبيا، رغم تحدياتها، تعمل منذ سنوات على بناء قاعدة تنموية واضحة، مع تركيز استراتيجي على قطاعي الطاقة والصناعة كرافعة للنمو.
يشمل ذلك مشاريع عملاقة في الطاقة المتجددة، مثل سد النهضة ومحطة “كويشا” لتوليد الكهرباء، إلى جانب شراكات مع شركات دولية لتطوير قطاع الغاز.
وتُقدّر هذه الاستثمارات بنحو 45 مليار دولار، مع خطط توسع تشمل مجمعات صناعية لإنتاج الأسمدة، وتحديث شبكات النقل، وتطوير مطار “بيشوفتو” ليكون من الأكبر في إفريقيا،
إضافة إلى مبادرات وطنية مثل مشاريع “غوبا” التي تستهدف خلق فرص اقتصادية مستدامة.
وحتى الهند، التي كانت قبل عقود ضمن الدول منخفضة الدخل، أصبحت اليوم تستثمر بكثافة في أكبر مشاريع الطاقة الشمسية عالميًا، وتعمل على إدخال القطارات فائقة السرعة لتحديث منظومة النقل، في إطار تحول اقتصادي واسع.
وفي أوروبا والولايات المتحدة، تُقاس الطموحات بمئات المليارات. أكثر من 35 مليار دولار تُضخ في مشروع “غراند باريس إكسبريس” لإعادة تشكيل شبكة النقل الحضري، كما تتسارع الاستثمارات في الهيدروجين الأخضر ومشاريع الذكاء الاصطناعي.
وفي الولايات المتحدة، أُعلنت استثمارات هائلة في قطاع أشباه الموصلات تشمل مئات المليارات في ولايات مثل أريزونا ونيويورك، بالتوازي مع مشروع قطار كاليفورنيا فائق السرعة بقيمة تقارب 100 مليار دولار. دول تتحرك وفق رؤى واضحة، وتبني مستقبلها بالأفعال لا بالشعارات.
ثم ننظر إلى اليمن حيث نجد على مدى عقود، لم يتبلور مشروع وطني واضح المعالم يُبنى عليه مستقبل مستدام أو يُورث للأجيال على شكل بنية تحتية حقيقية.
شبكات طرق تتآكل مع أول موسم أمطار، مطارات لا ترقى إلى الحد الأدنى من المعايير، منظومة كهرباء عاجزة، وقطاعات صحية وتنموية وتعليمية تعاني من اختلالات عميقة.
لا توجد بنية تحتية قادرة على دعم اقتصاد حديث، ولا تخطيط حضري منظم، ولا رؤية تنموية قابلة للتنفيذ، ولا جهاز إداري فعّال. بلد بأكمله عالق، بينما العالم من حوله يتقدم بوتيرة متسارعة. عشر سنوات من عمر المجتمع ضاعت دون أن نترك لهم بناء او أثر.
صحيح أن اليمن واجه تحديات سياسية وأمنية معقدة، لكن هذه التحديات لا تفسر غياب الرؤية، ولا تبرر انعدام التخطيط طويل المدى، ولا استمرار تآكل مؤسسات الدولة دون مساءلة. المشكلة لا تكمن فقط في غياب الإنجاز، بل في تكريس خطاب يبرر هذا الغياب.
لا يزال هناك من يصر على تلميع واقع لا يصمد أمام أي مقارنة موضوعية، ويروج لخطابات من قبيل “لولا أحداث 2011 لكانت اليمن تنافس سنغافورة”، وهي مزاعم لم تُترجم يومًا إلى مشروع، ولا إلى مؤسسة فاعلة، ولا إلى خدمة مستقرة.
اليمن لا تعيش أزمة موارد بقدر ما هي أزمة إدارة وإرادة. فالدول التي نشهد تقدمها اليوم لم تصل صدفة، بل عبر رؤية واضحة تُقاس بالنتائج لا بالشعارات. والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
إما أن نواجه هذا الواقع بصدق، ونطالب بقيادة تُحاسَب وتُنجز، أو نستمر في الانحدار، ونكتفي بدور المتفرج على عالم يُبنى دوننا. الخيار ليس مؤجلًا، بل يُصنع الآن.
* أكاديمي وباحث يمني