Logo

اليمن: ما بين العوائق الجغرافية والواقع السياسي المعاصر

 لقد دفعتنا المشاعر الوطنية الجارفة التي صاحبت قيام الوحدة اليمنية عام 1990، وتزامنها مع التحولات الكبرى التي شهدها العالم آنذاك—وفي مقدمتها سقوط جدار برلين وانهيار النظام الدولي ثنائي القطبية—إلى الاعتقاد بأن إزالة الحدود السياسية كفيلة بتجاوز مختلف العوائق الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية التي ظلت قائمة عبر التاريخ. 

غير أن التجربة أثبتت أن إزالة الحدود التي يصنعها الإنسان لا تعني بالضرورة اختفاء الحقائق الجغرافية، أو التحديات البنيوية والتضاريسية التي تُشكل وعي المجتمعات وهياكل الدول.

ففي تلك المرحلة، ساد تصور واسع بأن العالم يتجه نحو عصر جديد تتراجع فيه الصراعات التقليدية لصالح الديمقراطية، والعولمة، والتكامل الاقتصادي، وأن الانقسامات الثقافية يمكن تجاوزها بسهولة.

 إلا أن العقود اللاحقة كشفت أن هذا التصور كان يحمل قدراً من المبالغة المتفائلة، خصوصاً في مناطق مثل الشرق الأوسط، حيث ما تزال الهويات الفرعية، والتحديات التنموية، والتوازنات الجيوسياسية تلعب دوراً حاسماً في صياغة الواقع وتوجيهه.

كما أن العولمة، التي قُدمت بوصفها مرحلة نهائية من الترابط الاقتصادي، لم تؤدِ إلى إنهاء التنافس بين القوى الكبرى أو تجاوز منطق الصراع. 

بل إن التطورات الدولية الأخيرة أظهرت عودة شرسة لـ “جيوبوليتيك” القوة في العلاقات الدولية؛

 فالتنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، والتوترات التجارية، وأزمات الطاقة وسلاسل الإمداد، جميعها أعادت التأكيد على أن الجغرافيا والمصالح الاستراتيجية ما تزالان المحددين الأساسيين لمسار النظام الدولي.

وقد برزت هذه الحقيقة بصورة أعمق في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتقاطع جغرافية الموقع مع ثروات الأرض وممرات التجارة العالمية. 

وأظهرت الأزمات المتلاحقة أن استقرار المنطقة لم يعد شأناً محلياً معزولاً، بل أصبح حلقة وثيقة الصلة بالتوازنات الدولية ومصالح القوى العظمى.

وفي هذا السياق، تمثل الحالة اليمنية نموذجاً صارخاً لتداخل الجغرافيا السياسية بالإقليمية. فحالة الانقسام والاضطراب الداخلية فتحت المجال أمام القوى الإقليمية والدولية لإعادة التموضع وتعزيز نفوذها عبر أدوات وتحالفات محلية؛ 

لتتحول الجغرافيا اليمنية—بما تمثله من إشراف استراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب—إلى جزء من معادلة أمنية وعسكرية أوسع تتجاوز حدود الدولة اليمنية نفسها لتطال حركة التجارة الدولية برمتها.

ومن هذا المنطلق، أدركت المملكة العربية السعودية مبكراً أن استمرار حالة التفكك وغياب الدولة في اليمن سينعكسان بصورة مباشرة على أمنها الوطني وعلى استقرار منطقة الجزيرة العربية عموماً. 

وهو ما دفعها إلى تبني سياسات استراتيجية هدفت إلى احتواء تداعيات الأزمة، ومنع تحول اليمن إلى ساحة نفوذ مفتوحة للقوى الإقليمية المنافسة. 

ومع ذلك، فإن تعقد المشهد وتعدد مراكز النفوذ يشيران إلى أن مقاربة الأزمة لا تزال في مخاض مستمر، وأن المنطقة ما تزال عرضة لتحولات قد تعيد رسم التوازنات الأمنية.

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لإعادة التفكير في مفهوم “جيوبوليتيك الجزيرة العربية” بوصفه إطاراً استراتيجياً جامعاً يتجاوز الحدود السياسية الضيقة نحو بناء فضاء عربي مترابط اقتصادياً وأمنياً.

 إن التكامل الجيوبوليتيكي والاقتصادي بين دول الخليج واليمن لا يمثل مجرد خيار رفاهي، بل هو قاعدة عملية وحيدة لتعزيز الاستقرار والتنمية، والتمهيد مستقبلاً لأشكال أعمق من الاندماج الذي يحمي مصالح شعوب المنطقة ككتلة واحدة في مواجهة التحديات الدولية.

إن دروس العقود الماضية تؤكد أن الجغرافيا لم تفقد سحرها أو تأثيرها كما توهم البعض بعد نهاية الحرب الباردة، بل عادت لتفرض نفسها بقوة في قلب المعادلات. 

ومن ثم، فإن أي مشروع نهضوي أو استقرار مستدام في الجزيرة العربية لا يمكن أن يكتب له النجاح إلا إذا انطلق من فهم وعر وصادق للحقائق الجغرافية والاقتصادية الدائمة، بدلاً من الارتهان للعواطف السياسية أو اللحظات التاريخية العابرة.

* دبلوماسي وسياسي يمني