جمهورية التسول
حوار مع صديقي الصحفي (30)
كنا نجلس أنا وصديقي الصحفي والإعلامي المتميز نراجع أصداء مواضيعنا السابقة وتحديداً ملف الموت المجاني الذي يحصد أرواح الآلاف في شوارعنا جراء الحوادث المرورية الكارثية ودور الدولة والحكومة الغائب في معالجة هذا الأمر باعتباره من أهم القضايا التي يجب الوقوف امامه بجدية حفاظا على الأرواح والممتلكات وخاصة انها تزايدت بشكل مخيف جدا جدا
ولكن كما يقال "ظننت ظنا فخاب ظني" وفي عيوننا أمل خاب وانكسر فبدلاً من أن نسمع عن قرارات حاسمة بإقالة جهاز المقربعين بدء من مديرهم الكذاب واحالتهم إلى المحاسبة بسبب الفوضى الكارثية في شوارعنا وطرقاتنا والمحاكمة لينالوا جزاءهم الرادع لانهم سبب موت واصابة الآلاف من أبناء الشعب اليمني
لكننا صدمنا بان العلامة مفتاح ذهب إليهم ليس للمحاسبة والمحاكمة لكن لأمور أخرى وكما يقول المثل الشعبي "القرش يلعب بحمران العيون" وطز في الشعب وأرواحه وممتلكاته فهذا هو الشعار غير المعلن لحكومة قطاع الطرق في صنعاء.
وفي ذروة نقاشنا المرير وصلت صديقتنا العصفورة الذكية لتطير بنا نحو ملف آخر لا يقل كارثية حيث طالبتنا بفتح ملف ظاهرة التسول ذلك الوباء الذي يلتهم شوارعنا في ظل عجز حكومي فاضح عن وضع حلول جذرية
وقد افقنا جميعاً بلا تردد فهذه الظاهرة غدت اليوم من أبرز وأخطر التشوهات الاجتماعية والأمنية.
قالت صديقتنا العصفورة بنبرة تخنقها الحسرة تصدقوا يا أصدقائي التسول انتشر بشكل مرعب يفوق الوصف في المساجد يتجاوز عدد المتسولين عدد المصلين وفي الأسواق يفوق عددهم عدد المتسوقين
ويومياً أرى مناظر تدمي القلوب فتيات في مقتبل العمر يتجولن بين المطاعم والمقاهي مما يعرضهن للاستغلال والمضايقات وأطفال في عمر الزهور دُفع بهم إلى الرصيف ونساء ورجال كبار في السن أهلكهم العوز
ناهيك عن المشردين الذين يفترشون الشوارع تحت زمهرير الشتاء وحر الصيف ومن يبحثون عن لقمة عيشهم داخل براميل القمامة والجميع يتفرج.. قاطعناها قائلين يا صديقتنا الذكية هذا غيض من فيض الكارثة الأعمق
اليوم هي رؤية شباب في سن المدارس والجامعات وأشخاص في كامل صحتهم وعافيتهم يشكلون تجمعات أسرية ممنهجة عند الجولات وأمام بوابات منازل كبار التجار وسط غياب تام للدولة وكأن الأمر لا يعنيها ..
التفتُّ انا إلى الأصدقاء وقلت لهم المؤسف أن السلطة تتعامل مع هؤلاء كفئة تكسب قوتها بنفسها دون أن تكلف ميزانية الدولة شيئاً متناسية أن هذه الظاهرة هي قنبلة موقوتة تفرز كوارث اجتماعية وأمنية واقتصادية تهدد السلم الأهلي وليس بعيداً أن يأتي يوم يكون فيه عدد المتسولين أكثر من عدد المواطنين ..
هنا عقّب الأصدقاء بسخرية لا تخلو من مرارة بقولهم .. الدولة أنشأت ما يسمى البرنامج الوطني لمعالجة ظاهرة التسول لكنه يجسد تماماً المثل "تمخض الجبل فولد فأراً " لكنه فـأر الحكومة الهزيل
أو كما أسميته أنت يا صديقنا برنامج عربية الشيبس أوبرنامج المقربعين فحضورهم انحصر في إقامة ورش عمل ودورات ثقافية سطحية يصرف عليها الملايين دون فائدة
بينما الواقع يتطلب عقولاً كفؤة ومشاريع حقيقية وحتى ما تسمى الهيئة العامة للزكاة انحرفت هي الأخرى عن مصارفها الشرعية للتخفيف من الفقر وتحولت إلى مجرد ديكور واستعراض وكأنها أصبحت هيئة للزواج كما اسميتها انت ..
هنا قال الأصدقاء بصوت واحد إنها أم الكوارث أن يستمر هذا الواقع المؤلم وسط هروب مخجل للحكومة وأن تبقى المشاريع الرسمية مجرد ضحك على الذقون وإسقاط واجب ..
قلت لهم حاسماً النقاش يا أصدقائي مكافحة التسول ليست هوشلية ولا مناظر استعراضية يتقدمها برنامج المقربعين الكاذب وهيئة أبو نشطان الفاشلة
فالأمر يحتاج إلى استراتيجية وطنية وتخطيط علمي سليم يحدد المشكلة والأهداف والإمكانيات المادية والبشرية والأخطر من ذلك كله أن التسول تحول إلى شبكات وعصابات منظمة تدير هؤلاء البشر وتوزعهم على الجولات والشوارع بكرة وعشياً على مرأى ومسمع من الأجهزة الأمنية ولايستبعد ان هناك من يحمي هذه العصابات بمقابل ..
وكما اتفقنا سابقاً "القرش يلعب بحمران العيون" وغياب الدولة هو البيئة الخصبة التي يستغلها المتسول والعصابة التي تديره والمسؤول الذي يحميه ..
ختاماً، نرفع هذه الرسالة الصادقة إلى من يهمه الأمر إن إننا بحاجة إلى حلول مبتكرة وتنمية حقيقية عبر مشاريع كبيرة وتأهيل الشباب مع إصدار قانون صارم يجرّم التسول المنظم ويحدد المسؤوليات وانشاء مراكز لإيواء العجزة والمسنين والمشردين من أموال الزكاة وإيجاد فرص عمل حقيقية والعمل على وضع الحلول لظاهرة اطفال الشوارع
ولقد حان الوقت للإغلاق الفوري لهذا البرنامج الهزيل الذي ولد ميتاً ولم يكن سوى وسيلة للقربعة وتغيير قيادة هيئة الزكاة بقيادة محنكة تفهم واجباتها الشرعية والتنموية بدلاً من هدر المليارات في الهواء من أجل الاستعراض الإعلامي
والكارثة في بلدنا هنا أن المناصب تباع إما بالمال كما في المثال السابق أو بالولاء كما في هذا المثال وهذا هو سبب الفوضى والقربعة وانتشار التسول والتشرد إلى درجة يمكن أن نطلق على بلدنا اسم "جمهورية التسول" واتفقنا أن نخصص حلقة لكل فئة من هذه الفئات ..