Logo

ميناء عدن حنفية التجارة العالمية… والمدينة تغرق في ظلام الكهرباء!

 لم يعد الفقر في اليمن لغزا، ولم يعد الجوع مفاجأة، ولم تعد المعاناة قدرا نزل من السماء. ما نعيشه اليوم هو نتيجة مباشرة لانقطاع الدولة عن نفسها، وانقسام القرار، وتفكك المؤسسات التي كان يفترض أن تحمي الناس لا أن تتركهم وحدهم في مواجهة كل شيء..

نحن أمام بلد لا ينقصه شيء ليكون غنيا، بل ينقصه أن يعمل كوطن واحد..

في هذا البلد نفط وغاز وثروات طبيعية كان يمكن أن تبني دولة كاملة، لكنها اليوم لا تنعكس على حياة المواطن كما يجب. ثروات موجودة، لكن أثرها غائب عن الناس. موارد تستخرج، لكن نتائجها لا تصل إلى الجائع ولا إلى المريض ولا إلى الباحث عن حياة كريمة..

وفي البحر يقف ميناء عدن شاهدا على واحدة من أكبر المفارقات في التاريخ الحديث. 

ميناء بموقع استثنائي على خطوط التجارة العالمية، كان يمكن أن يكون قلب الاقتصاد اليمني، ورافعة الدولة، ومصدر القوة الحقيقي. 

كان يمكن أن يكون حنفية التجارة التي تغذي البلد كله بالفرص والعمل والازدهار، لكنه اليوم لا يعمل بكامل طاقته، بينما تتجه حركة التجارة إلى جبل علي وصلالة وجيبوتي ويخسر ميناء عدن ما قيمته ٤٠ مليار دولار سنويا بحسب خبراء الاقتصاد!.

وفي الجغرافيا، تمتد جزر يمنية ذات قيمة استراتيجية هائلة، في البحر الأحمر وخليج عدن، كان يمكن أن تكون مفاتيح قوة اقتصادية وسياحية وأمنية، لكنها تركت خارج المشروع الوطني، وكأنها تفاصيل هامشية، بينما هي في الحقيقة ثروة وسيادة ومستقبل..

ثم نسأل: لماذا يعيش اليمني هذا الفقر المدقع؟

الجواب ليس في السماء، بل في الأرض. في الانقسام الذي جعل العملة تنقسم، والمؤسسات تتشظى، والدولة تتراجع خطوة بعد أخرى حتى أصبحت وظيفتها في حياة المواطن ضعيفة أو غائبة..

لكن الأخطر من كل ذلك هو أن يطلب من الإنسان اليمني أن يتعايش مع هذا الواقع وكأنه أمر طبيعي، وأن يقبل بأن يعيش تحت خط الكرامة بينما فوقه ثروات هائلة لا تصل إليه..

هذا ليس قدرا… هذا وضع يمكن تغييره.

اليمن لا يحتاج إلى معجزة، بل يحتاج إلى يقظة، يحتاج إلى أن يدرك أبناؤه أن الدولة ليست فكرة غائبة، بل مسؤولية يجب أن تستعاد، وأن النفط ليس رقما في تقارير، بل حق شعب. 

وأن الميناء ليس مبنى على البحر، بل شريان اقتصاد. وأن الجزر ليست مساحات بعيدة، بل سيادة لا يجوز التفريط بها..

الانتصار للوطن لا يبدأ بالسلاح، بل يبدأ بالوعي. يبدأ برفض قبول الانهيار كواقع دائم، وبرفض تحويل الثروة إلى ذكرى، والدولة إلى اسم بلا معنى، والجيش إلى مليشيات..

إذا لم يعود اليمن دولة واحدة بحقوق شعبه وثرواته ومؤسساته، سيظل الإنسان فيه يدفع ثمن انقسام لم يختاره، لكنه يعيش نتائجه كل يوم. 

والخيار، في النهاية، ليس خارج هذا الشعب، بل داخله. لقد آن الآوان لأن ننتصر لحقنا في الحياة بعيدا عن انتصارنا لحياة الآخرين وتقديم أنفسنا كوقود لمعركة لم نختارها..