Logo

القنابل التي دمرت اليمن.. أخطر من النووي

حين يتحدث العالم عن القنابل النووية، ترتجف الضمائر وتنعقد المؤتمرات وترفع شعارات السلام. فالقنبلة النووية تترك آثارها واضحة للعيان، مدن مدمرة، وأجساد محترقة، وأرض ملوثة لعقود طويلة. 

لكن هناك قنابل أشد فتكا وأخطر أثرا، سقطت على اليمن منذ سنوات، دون أن يراها العالم، ودون أن يتحرك الضمير الإنساني بالقدر الذي تستحقه المأساة!.

إنها قنبلة الجهل، وقنبلة الكراهية، وقنبلة الانسلاخ من الوطن، وقنبلة الفقر.

قنبلة الجهل لم تدمر المباني، بل دمرت العقول. أغلقت أبواب المستقبل أمام أجيال كاملة، وحولت المدارس والجامعات من مصانع للأمل إلى ضحايا للإهمال والانهيار، فالأمم لا تهزم حين تخسر معركة، بل تُهزم حين تخسر وعيها..

أما قنبلة الكراهية، فقد مزقت النسيج الاجتماعي الذي بناه اليمنيون عبر قرون طويلة. زرعت الشك بين أبناء الوطن الواحد، وحولت الخلافات السياسية إلى جدران نفسية واجتماعية عميقة.

 وما من قنبلة أشد خطرا من تلك التي تجعل المواطن ينظر إلى أخيه المواطن باعتباره خصما بدلا من أن يراه شريكا في المصير..

ثم جاءت قنبلة الانسلاخ من الوطن، وهي أخطر القنابل جميعا. حين يفقد المسؤول إحساسه بالانتماء الحقيقي لوطنه، يصبح الوطن مجرد ورقة تفاوض، والمواطن مجرد رقم في تقارير المانحين، والسيادة مجرد شعار يرفع في الخطب ويفرط به في الواقع. 

عندها تتحول الوظيفة العامة من خدمة للشعب إلى خدمة لمصالح خارجية أو حسابات ضيقة لا علاقة لها بمستقبل البلاد..

وأخيرا، قنبلة الفقر، تلك القنبلة الصامتة التي لا يسمع لها دوي، لكنها تفتك بالناس كل يوم. تسرق أحلام الشباب، وتدفع الأسر إلى اليأس، وتحول الحياة الكريمة إلى أمنية بعيدة المنال. الفقر ليس مجرد نقص في المال، بل هو حصار للكرامة الإنسانية وإعدام بطيء للفرص..

لقد أصبح اليمن اليوم ساحة لهذه القنابل مجتمعة. وبينما يستنكر العالم استخدام الأسلحة المحرمة دوليا، فإن ملايين اليمنيين يواجهون يوميا أسلحة غير مرئية تحطم حاضرهم وتهدد مستقبلهم. إنها حرب على الإنسان اليمني نفسه، على وعيه وانتمائه وكرامته وقدرته على الحياة..

ومن المؤلم أن كثيرا من القوى التي يفترض بها أن تحمل هموم الشعب والدفاع عن مصالحه بدت عاجزة عن استيعاب حجم الكارثة، أو منشغلة بصراعاتها الخاصة أكثر من انشغالها بمصير الوطن. فالوطن ليس غنيمة، ولا منصبا، ولا حصة سياسية، بل مسؤولية تاريخية وأخلاقية أمام الأجيال القادمة..

إن اليمن لا يحتاج اليوم إلى المزيد من الشعارات، بل إلى صحوة وطنية حقيقية تعيد الاعتبار للإنسان اليمني، وتضع مصلحة الوطن فوق كل المصالح، وتواجه الجهل بالعلم، والكراهية بالتسامح، والتبعية بالسيادة، والفقر بالتنمية والعدالة..

فالقنابل النووية قد تدمر مدينة، لكن قنابل الجهل والكراهية والفقر والانسلاخ من الوطن قادرة على تدمير أمة بأكملها. وإذا لم تستيقظ القوى الوطنية اليوم، فقد يأتي يوم لا نجد فيه وطنا نختلف عليه، ولا شعبا نحلم بمستقبله، ولا دولة نسعى لإنقاذها..