Logo

مفارقة الضفدعة والذكاء الاصطناعي في اليمن!!

عندما أنظر إلى أبنائنا وبناتنا في "العالم الأزرق"، أجدهم يبحثون عن وطنهم اليمن—بشكل غير مباشر—بين الأمم؛ يبحثون عن ركيزة يفتخرون بها، يكبرون بها وتكبر بهم، لكنهم يصطدمون بغياب أي مشروع أو رؤية وطنية جامعة. 

كلما نظروا إلى الرياضة لم يجدوا "اليمن"، لأن الرياضة لدينا تُدار بعقلية "ورق اليانصيب" والمصادفات, فيتوزعون لتشجيع شعوب أخرى.

 وكلما نظروا إلى التنمية لم يجدوا "اليمن"، لأن قياداتنا لا تملك أدنى تصور لها، فنرى شبابنا يمدحون النهضة التنموية لدى الشعوب المجاورة. 

وإذا بحثوا عن الحكومات المنتجة والحكم الرشيد، فلن يجدوا ما يُبهجهم، فننقسم تلقائياً: ثُلثٌ يمدح القيادة السعودية، وثُلثٌ يمدح القيادة الإماراتية، وآخرون يتغنون بقطر، وتركيا، ومصر… وهكذا.

وعندما نبحث عن اليمن في البحث العلمي والتعليم، نفتش عنه في الخريطة أو عن بصيص أمل فلا نجده؛ فيذهب بعضنا للحديث عن التعليم في الصين وماليزيا، وآخرون عن الغرب،

 بل إننا وصلنا إلى مرحلة نستشهد فيها بتجارب دول كانت إلى عهد قريب في ذات وضعنا المأساوي أو أسوأ. 

وكذلك عندما نبحث عن اليمن بين الدول النامية والصاعدة، لا نجد له أثراً، فينصرف بعضنا للتغنّي بتجارب إثيوبيا، 

وآخرون بتجارب عُمان ورواندا—حتى بلغ الأمر (كما مازح أحد الإخوة) أن عدد اليمنيين المموّلين من المنظمات الذين زاروا رواندا خلال سنوات الحرب لنقل تجربتها، صار يفوق نصف سياح رواندا نفسها. 

أما في الاقتصاد، فالمفارقة مخجلة؛ برغم وجود "جيوش" من المستشارين الاقتصاديين لمجلس القيادة، وست عشرة شخصية في الفريق الاقتصادي، وفِرق تنموية تملأ الرواق، وخبراء ينسقون مع البنك الدولي وصندوق النقد..

 برغم كل هذا الحشد، لم ينجزوا—حتى الآن—ملفاً واحداً يُذكر، أو يحققوا نجاحاً ملموساً.

ولعل المقارنة هنا مؤلمة وكاشفة؛ فأنا وعائلتي، بجهد ذاتي وبتمويل لا يتجاوز (صفر) من تلك الجهات المذكورة، زرعنا في الاقتصاد الريفي أكثر من 540 ألف شتلة بُن و8 آلاف شجرة منجو وغيرها. 

وإذا أردنا الحديث عن التناسب مع نفقات المشاريع "الورقية" للدولة، فسأعطيكم مثالاً صادماً: في عهد الرئيس الراحل صالح، 

دفعت اليمن 20 مليون دولار لشركة أمريكية لمجرد بناء "تصور ورقي" لخطة تنموية تخصّ (أحمد علي) كما فُهم حينها. والمضحك المبكي أنهم لم يحققوا من تلك الخطة فقرة واحدة! 

بل وأعتقد جازماً أنني الشخص الوحيد في اليمن الذي قرأ تلك الملفات والخطط كاملة، مدفوعاً بفضولي وشغفي بالاطلاع. 

فلك أن تتخيل حجم المفارقة: 20 مليون دولار لمشروع ورقي ونتيجته (صفر)، مقابل تمويل (صفر من حيث مفهوم التناسب) لمشاريعنا في الاقتصاد الريفي ونتيجته نصف مليون شجرة.

لكن، كيف لهذه الجيوش الجرارة أن تنجز، وتاريخ مسؤولينا أصلاً حافل بالفقاعات؟ أتذكر في عام 2014 حين أعلنت الحكومة واستنفرت جهودها بأن العام القادم سيكون "عام التعليم والنهضة"،

 والمفارقة التاريخية أن أسوأ سنوات عانى منها التعليم، وتدمرت فيها مؤسساته، وانقطع فيها راتب الكادر التعليمي، وتسرب بسببها أكثر من مليون طفل من المدارس..

 كانت بعد ذلك الإعلان مباشرة! وأتذكر أيضاً حين قال الرئيس السابق إنه سيقضي على الفقر خلال سنوات واستنفروا لذلك ببرامجهم، 

فتفجرت اليمن بعدها بأربع سنوات من كل حدب وصوب. ولا يفوتني مظهر الحكومة وهي تستعرض عضلاتها بعد أزمة القمح الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية، حين قررت فجأة زراعة القمح في اليمن، 

وقد تستغربون أنه حتى اليوم لم يزرعوا حتى "شاجبة" واحدة كما نقول في لهجتنا! لهذا السبب انقسم المجتمع؛ فجزءٌ يصف النجاح الاقتصادي الصيني، 

وجزء آخر يمدح السعودي، وثالث يمجّد التجربة التركية. وكذلك في الفن والثقافة وغيرها، كلٌ يبحث عن "وطنه" فلا يجده بين الأمم.

والسؤال هنا: ثم ماذا بعد؟

المهم ليس كل ما سبق، لكن الأهم والأعجب أن تتحدث الدولة عن الأمن السيبراني، والتحول الرقمي, والحكومة الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي،

 في بلد لا يزال قادته مختلفين حتى اليوم على "شكل الدولة"! في بلد تبدو فيه البنية الأساسية غائبة تماماً؛ فلا معالم إدارة واضحة، ولا دولة متماسكة، ولا كهرباء متواجدة، ولا خدمات أساسية متوفرة، 

بل ولا حتى أدنى المقومات التأسيسية متواجدة في المدارس في بلد لم نتخلص من لعنة الضفدعة. وهنا أقول من باب المزاح الأسود: لعل سبب عقدتنا التاريخية أننا في المرحلة الابتدائية،

 كل ما فعلناه في حصة الرسم هو رسم "تفاحة"، وفي حصة العلوم قمنا "بتشريح ضفدعة" وإلى الآن لا زلنا نعاني ونُشرح بعضنا. لا أدري حقاً ما الحكمة من تشريح تلك الضفدعة المسكينة؟

 في حين أنك في ألمانيا يُمنع عليك قانوناً أن تقتل "دبّوراً" أو نحلة دخلت بيتك! مفارقات عجيبة في التربية والواقع.. وأعتقد صادقاً أنه قد أصابت اليمن "لعنة تشريح الضفدعة من الاطفال"؛ فلا نحن تركناها تعيش بسلام، ولا نحن تعلمنا كيف نبني بلدنا.

قد يكون من رحمة الله بنا أن هناك مباريات لكأس العالم تشغل الناس، وأن "ترندات" الفيسبوك تلتفّ حولها العقول، فلولا ذلك لكنا "دوّشنا" مجرة "درب التبانة" بصراعات سقيفة بني ساعدة، وكربلاء، وفقه دخول الحمام بالرجل الشمال أو اليمين.