تعز.. مدينة صنعتها الجغرافيا وأخفق معها التاريخ
تعز.. مدينة صنعتها الجغرافيا وأخفق معها التاريخ بالإمكان اختصار قصتها في محطة سفر ترتب عليها (مدينة). تعز وسيط حاذق يروج الجديد الأفكار والأحداث ولا يدري لحساب من؟
إنها مدينة التناقض والثقافة والتمرد وجيوش الخريجين والمنظرين والأهم من ذلك كله.. الأسنان المالحة.
قال عنها (سكوت): (تعز: ملكة الجنوب العربي
ويقول أبناؤها تعز بيئة طرد مركزية.. في حين تبحث هي عن شيء تقوله.
إنها مسكونة بالتناقض والتجريب. لديها رقة أنثى وقلق شاعر وتاريخ لا تدري كيف توظفه.
وعندما حاول أحد أبنائها الشعراء إيجاد علاقة بينها وبين تاعوز آلهة حوران كان يعتمد في ذلك على الأسطورة... الأسطورة فحسب.
بابا هایل)
كانت تعز بالنسبة لي (مدينة الأحلام التي تتكدس فيها الشوكلاتا وعلب البسكويت بالإضافة إلى الصبايا الأنيقات.. كنت طفلاً عندما كانت تعز كذلك.
كبرت قليلاً وأصبحت تعز مدينة طبية ضخمة لأنني لم أزرها إلا مريضاً أو بصحبة مريض.
ثم تحولت تعز إلى بؤرة للأفكار والخلايا التنظيمية وأخيراً تعز مدينة التجريب والمثقفين وجيوش المتعلمين و... إلخ، أما الآن فلا أدرى بالضبط عن أي تعز سأتحدث.
ها قد تجاوزنا مطار تعز في الحوبان وبدأت مباني مصانع (الحاج هايل) تتجاوزنا . رحم الله الحاج هايل سعيد الذي أصبح جزءاً من تاريخ تعز وعلماً من أعلام اليمن.
بدأ تاجراً صغيراً في عدن أوائل الثلاثينيات، دكان صغير يبيع المواد الإستهلاكية وبالأمانة والصبر تحول إلى تاجر جملة.. الصبي الصغير الذي كان الحاج يعتمد عليه في البيع والشراء أصبح الآن رئيساً لمجلس إدارة أكبر مؤسسة إقتصادية في اليمن إنه على محمد سعيد رجل الأعمال المعروف وأول وزير صحة في حكومة الثورة مصانع وشركات مساهمة تعتمد على أكثر من خمسة آلاف مساهم وتستوعب عشرات الآلاف من الأيدي العاملة اليمنية.
كان الرجل الطيب ينظر إلينا من خلال كل نافذة في كل مبنى من مباني شركاته يعرف الجميع سماحة الحاج هايل وتواضعه بالنسبة لي كان هايل ولا يزال يمثل الرجل الطيب الذي يرتدي الملابس البيضاء ويوزع -الشوكولاتا على الأطفال إنه بابا هايل) الذي أحلم دائماً بأنه سيمنحني قطعة شوكولاتا | ضخمه على هيئة مليون ريال) هي قيمة 1 جائزة مؤسسة السعيد للعلوم والثقافة عن -عمل سأنجزه بعد عشرين عاماً من الآن.. وإذا -انقرضت هذه المؤسسة لسبب أو لآخر -فسأحمل كتابي المحتمل وأقرؤه باكياً على ضريح بابا هايل.
عشوائية وعطش
تعز يمكن قسمتها على أثنين المدينة . القديمة ومدينة التلال. ومن خلال نظرة أولى لتعز ستعرف لماذا قال عنها البعض انها نفر كس) إذ أن معظم تعز تلال صغيرة يخترقها شارع رئيسي اسمه شارع جمال تتفرع منه بعض الشوارع التي تقف فيها الحركة تماماً إذا ما انقطع السير في شارع جمال في أوله أو آخره بالتحديد).
تخطيط سيئ للغاية، مدينة مكتظة تقوم حركتها على شارع واحد طويل ومتعرج.
كان الشاعر الشاب أحمد الشلفي في استقبالي فهو معرفتي الوحيدة في تعز أخذني إلى بيته ذي الغرفة الواحدة منحني صحبة ومعرفة ومعلومات عن تعز وقصائد رائعة. هذا الشاب جزء من حركة شعرية شبابية تعيشها اليمن وتفلسفها مدينة تعز...
أول مشكلة واجهتها في مدينة تعز هي شحة المياه، وهذه المشكلة يعيشها أبناء تعز منذ عدة سنوات ، معظم الآبار الارتوازية جفت ومحاولات إيجاد بدائل للآبار القديمة تفشل في منتصف الطريق لأسباب عدة أولها غياب الروح الجماعية.
الناس هنا يشترون الماء يومياً مما أضاف إلى أعبائهم المالية عبئاً جديداً، وكثيراً ما خرجت مع صديقي في ساعة متأخرة من الليل بحثاً عن المياه..
تاريخ يبحث عن وظيفة صباح اليوم التالي، وجدتني أقف أمام باب موسى مدخل المدينة القديمة .. يقول صاحب كتاب (مرآة المعتبر في فضل جبل صبر أن ما تعرف به تعز الآن كان اسمها (عدينة) وهي المدينة التي يحيطها السور ويقع فيها جامع المظفر، أما تعز الحقيقية
فهي القلعة التي يطلق عليها الآن (القاهرة).
في عام ١٧٦٣م زارها (نيبور) ورسم لها خطأ يبين بابي المدينة الرئيسيين وهما باب الشيخ موسى والباب الكبير.
وذكر نيبور أن المدينة مسورة بسور من
اللين..
لا أدري سبب تسمية باب موسى، إلا أنني تجاوزت الباب بحثاً عن الإنسان الذي رفض مغادرة الباب وتمسك بالحارات الضيقة ورائحة الماضي، كان علي تناول الإفطار أولاً، وليس هناك ما يسيل اللعاب كما يفعل فول اسماعيل وأولاد اسماعيل يطبخون الفول على نار الحطب ويعدون (السحاوق على الطريقة القديمة بـ (المسحق تشعر وكأنك في بيتك في القرية، تجد في فول إسماعيل حذق
البيت القديم ونكهة العائلة اليمنية...
الحارات الضيقة جعلتني أدور حول نفسي فكثيراً ما وجدتني أعود إلى نفس المكان لألقي نفس السؤال على مجموعة من
الكهول الذين ذكروني بكهول عدن. بسحنتهم وملابسهم .. لو سمحت ياحاج أين جامع المظفر؟ كنت أطرح السؤال على أي إنسان إلا على الأطفال فقد سمعت أنهم عدوانيون يقذفون الغرباء بالمخلفات، يدخنون السجائر ويسخرون من المارة، ولذلك فغالباً ما سمعت عن الجحملية ونزق فتيانها.
ربما يكون أحدهم قد قذف أبا عبد الله الجندي ببيضة فاسدة فقال في كتابه السلوك في طبقات الأمراء والملوك عن أهل تعز: أبناء تعز لديهم استعداد للفوضى والبطش متى كان ذلك ممكناً.
وجدتني أقطع سوقاً طويلاً معظمه ملابس وصيارفة الصيارفة في تعز أكثر من قنوات الصرف الصحي).
أرهقني البحث عن تاريخ يمكن فلسفته وتوظيفه فى قصة هذه المدينة.. كمحاولة
لاستنتاج الوضع في تعز.
غير أن الأحداث وأزمنتها مزقتنى ولم أتمكن من الإمساك بشيء من نتائجها وتراكماتها.
أعتقد أن التاريخ تعاطى مع تعز باعتبارها محطة سفر اغتسل فيها واستبدل ملابسه ومضى بعد أن تخلص من أتربته ودفع مقابل ذلك أسواراً ومساجد ومدارس أو كدليل بأنه من من هنا.
من خلال لقائي ببعض الناس وقراءتى عنهم أبناء تعز القديمة وجدتهم نتاجاً لعلاقات عابرة بأكثر من ثقافة وأكثر من حدث.
لم يترتب على المدارس (مذهبية) ولم ينشأ عن السور (مجتمعاً مغلقاً)
هذا هو جامع المظفر إذا. مسجد مهيب تشعر أمامه بسطوة بانيه، مسجد سياسي بكل ما تحمله الكلمة طراز اسلامي خالص مع شيء من نكهة العمارة اليمنية بناه الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول، أحد أبرز أمراء بني رسول الذين اتخذوا من تعز عاصمة لدولتهم الدولة الرسولية ۱۲۲۹ ١٤١٤م) أعاد بناءه عامر بن عبد الوهاب أبرز ملوك الدولة الطاهرية التي قامت على -أنقاض الدولة الرسولية، لم أتمكن من الدخول لرؤية المسجد من الداخل لأن الوقت كان مبكراً.
كان المطهر بن شرف الدين قد طرد الأتراك من تعز ودخلها في مارس ١٥٣٥م ولأنه لا يريد عودتهم فقد أمر ببناء سور عظيم يحمي تعز على أنقاض السور القديم وأضاف إليه الباب الكبير وبعض المنافذ الأخرى وظلت عملية البناء أكثر من سبع سنوات متواصلة.
وعندما عاد الأتراك بقيادة مصطفى بك عزت صدتهم أسوار تعز وصمدت أمام هجمتهم وكانوا قبلها قد أخضعوا كلاً من زبيد وعدن.
لازلت في تعز القديمة متنقلاً بين جامع المظفر ومسجد الأشرفية بقبابه الجميلة الرائعة.بين باب موسى والباب الكبير بين
الصيارفة والكهول العاطلين عن الحياة... ليس لهم من الواقع سوى الجلوس وإلقاء النكات البذيئة التي سمعتها بنفسي ولديهم من الماضي ذكريات النزق والمخاتلة أو كلمات انجليزية كثيرة ومعوز وفائلة بيضاء جلبوها معهم من عدن عندما كانوا يعملون في معسكرات الإنجليز أو في متاجر الهنود أيام الإحتلال البريطاني
أخبار المخاتل الفوضوي الذي نشأ في الجحملية واغترب في عدن هي التي صنعت صورة التعزى الصعلوك.. أقول صورة فيها ما فيها من المبالغة والإجحاف بحق أبناء تعز عموماً؛ غير أنها تكونت بفعل النفسية التعزية المتمردة العطشى إلى الجديد والإستثنائي.
غادرت كثير من الأسر التعزية أسوار المدينة القديمة وبدأ الإمتداد العمراني يأخذ طريقه ابتداء من ١٩٤٨م عندما تسلم الإمام أحمد حميد الدين حكم اليمن وجعل من تعز مقراً لحكمه فازدهر فيها العمل والنشاط إلى حد ما، مقارنة ببقية المدن اليمنية، بالإضافة إلى قربها من عدن الميناء العالمي المزدحم.
وأصبحت تعز منطلقاً للثورة ضد الإحتلال البريطاني. فنشأ وعي سياسي ترتب عليه انتشار للتعليم ومن ثم تحولت تعز إلى مسرح للعمل الحزبي
فقد اتخذها عبد الله باذيب منطلقاً لنضاله ضد الاستعمار البريطاني وبيئة النشر
أفكاره الماركسية
ومن الملفت أن أول صحيفة يسارية يمنية تأسست في أواخر الخمسينيات في تعز صحيفة (الطليعة في ظل وجود نظام يعتمد على الدين في مشروعيته أمام الشعب عاد فيصل عبد اللطيف الشعبي من بيروت بخلية القوميين العرب واستقر في تعز وعندما طرد عبد الناصر الطلبة اليمنيين الشيوعيين من القاهرة عادوا إلى تعز وبعدها قام بطرد الإخوان المسلمين فعادوا إلى تعز
وهكذا أصبحت هذه المدينة مأوى للأفكار والخلايا التنظيمية والجدل السياسي الذي لا يكاد ينقطع.
وكان تعز قد اختارت القبيلة العصرية أو كما يسمونها قبيلة القرن العشرين وهي الأحزاب كمعادل اجتماعي لقبائل المحافظات الشمالية ذات السطوة والانتماء واذا سالت احد ابناء تعز عن اسمه سيخبرك انه من قبيلة كذا الشمالية التي فر منها جده الأكبر بعد أن قتل شخصاً عظيماً ولم يجد مقرأ سوى هذه الأرض.
وكان لليسار الحظ الأوفر من زمن وإنسان تعز خلال عقدين من الزمن ولا يزال الكثيرون يذكرون بعض تفاصيل التطرف الحزبي في تعز من قبل بعض اليساريين الذين مزقوا المصاحف في حادثة لن تفارق الذاكرة باعتبارها عملاً أكثر بدائية ورعونة من سلوكيات قبائل الأمزون
تعلم الجميع في تعز وجربوا قدراتهم التنظيمية في تعز وظلت تعز تستقبل الجميع كفندق كبير لا يشترط نوعية خاصة من النزلاء.
يكفي ان تعرف ان اسماء كثيرة من تعز قدمت لليمن أفكاراً لم تعد تتذكر من أين حصلت عليها بالضبط ومصطلحات كثيرة
وحزبيون لا يحصي عددهم إلا الله، وجدوا أنفسهم الآن بحاجة ماسة إلى الكلاسيكية الإجتماعية فعاد معظمهم للبحث عن فرصة في المشيخ والسماطة الرشوان، ناهيك عن التقدميين القدامى الذين امضوا سنوات في صراع مع الافكار القديمة واصبحوا الآن ملاحقي عفاريت يطاردون في رؤوس لم يعد
فيها سوى الجان
غادرت المدينة القديمة من حيث دخلت باحثاً عن ربوة عالية أحاول من خلالها احتواء هذه المدينة أولاً ومحاولة تصنيفها ثانياً. قلعة الرعب
أني اتجهت كانت قلعة القاهرة تلاحقني وترفض تأجيلي الحوار معها باعتبارها أقوى ذاكرة لا زالت تقاوم التحولات والأحزاب وتتدخل في تفاصيل حياة أبناء هذه المدينة الذين يكرهون هذه القلعة لأسباب أمنية بحته يقولون إن أروع مكان في تعز هو القاهرة لأنه المكان الوحيد في تعز الذي يمكنك الجلوس فيه دون أن ترى القاهرة
يحتضنها جبل صبر بدون حميمية وكانه تبناها مكرها قلعة تشع تاريخاً ورهبة تحتل قمة تلة حمراء يفسر أحد مثقفي تعز هذا الإحمرار بانه تكون من دماء الضحايا الكثيرين الذين لقو حتفهم في القلعة.
بناها السلطان عبد الله الصليحي (الدولة الصليحية ٤٣٩ ٥٣٢هـ) تعاقب عليها الأمراء والسلاطين والضحايا. فمن الصليحيين إلى الرسوليين والطاهريين والأتراك وقبلهم مماليك مصر.
لا تزال أنات الضحايا الذين قضوا بداخلها تتردد في جنباتها إلى الآن ولا زالت دموعهم تسيل على قضبان
نوافذها.
يتذكر التاريخ أولئك الذين قذفت بهم القلعة خارجها بأمر من القائد التركي حسن باشا بعد أن أمر بوضع السجناء داخل أكياس وقذفهم من فوق الأسوار لا يزالون
يتدحرجون هكذا خيل إلي)
كانت القلعة تلاحقني
بإصرار بعث في جسدي قشعريرة غريبة.. تاريخية وعريقة وآية في البناء الحربي غير انها بمنظرها وبتاريخها تبعث على الإشمئزاز
وعندما نظرت نحوها للمرة الأخيرة قبل حلول الظلام كانت نسخة من قلعة الكونت دراكيولا) مصاص الدماء.. الشاب الوسيم ذي المخالب والأنياب الذي يتسلل في الظلام بحثاً عن وجبة عشاء حمراء طازجة.
كان أبرز دور لعبته القلعة هو تدخلها في ثورة ١٩٥٥م التي قادها الثلايا.. وبدهاء (أحمد) ياجناه وبذهبه وطمع قائد القلعة المحجاني) تحولت مدفع القلعة من صف الثورة إلى صف الثورة المضادة كما يقول الرفاق مثقفو الثورة الاشتراكية وتحول مبنى القيادة إلى أتون يصهر جماجم الثوار وإمامهم الدستوري (السيف عبد الله ويصهر أملاً كان يحاول النجاة فقط، وتحول الحدث إلى انقلاب فاشل.
أحياء
الطبقات والجدل عندما تحاول ترتيب لوحة تعز ستفشل كما فشل انقلاب 05 م
فهذه المدينة القديمة بأسرارها وأسوارها بصدق مشاعر أهلها
ونزقهم بالمساجد والمدارس بالج حملية التي لم تعد مشاغبة ولا عدوانية وتحاول أن تبدو متحضرة بالقلعة
القاهرة وفظاظتها التاريخية.
كل ذلك يحاول إقامة علاقة مع أحياء جديدة كانت مضرب المثل فى النظافة وتحولت الآن إلى قذارة بعينها بالزبالة المتراكمة والمجارى الطافحة.
ورغم كل ذلك ستجد (ثعبات) حي الارستقراطيين الجدد لا يوجد في القاموس الإجتماعي طبقة بهذا الإسم).
هذا الحي يعادل (حدة في مدينة صنعاء غير أنه قريب من الأحياء الفقيرة بصورة تجعل الفوارق الاجتماعية نتيجة طبيعية لعلاقة بين حي قديم قذر للغاية يسكنه الكهول والموظفون التعساء والأسر ذات الدخل المحدود وبين حي يسكنه دخل ليس له حدود تشكل على هيئة فلل صغيرة أنيقة هادئة تفصل بينها الشوارع الضيقة الأنيقة النظيفة.
بين ثعبات وبقية أحياء تعز الشهيرة فارق كبير وبين تلة وتلة شارع محفر ومجار طافحة ومتسولون وتجار ومرارة شديدة وأنا، تعز ليست كما كنتُ أحلم. ليس فيها سوى أسئلة وحاضر مغلف بالثقافة العابرة حاضر تبرأ منه ماضيه باعتباره زمناً لقيطاً.
أبحث عن جغرافية مدينة تعز فلا أتمكن من فهم اسماء المناطق الرئيسية إذ أنها لا تميز عن بعضها كثيراً غير تعز القديمة) فهنا (التحرير) وفي الجهة الأخرى (عصيفرة) وإلى أقصى الجنوب بير باشا ) ، أحياء عادية جداً؛ أناس ودكاكين وأتربة وقمامة
ومجاري طافحة.
معظم سكان المدينة الجديدة) باعتبارها بنيت حديثاً .. ينتمون إلى الحجرية وشرعب أما أبناء تعز الأصليون فهم مميزون بأجسامهم المختصرة الممتلئة وببصمة المياه المالحة على أسنانهم.
كان الكاتب الشاب صاحب الأسنان التعزية كريماً عندما أولم لي فأهرس وأعدس وطهيج وسهيج واشترى القات وجمع عدداً
لا بأس به من أصدقائه المثقفين.
جلسة قات يمكن اختصارها في مجرد جدل.. صحيح أنه جدل غير عقيم إلا أنه أرهقني - فهؤلاء الناس يريدون إقناعك بما وصلوا إليه ويصرون على ذلك بشكل عجيب
وذلك هو تاريخ تعز.. تاريخ جدل لا ينتهي ولدد في الخصومة الفكرية وكما قال عنهم أحد الزعماء اليمنيين: «كل واحد منكم يريد أن يصبح رأساً» ولذلك تفشل كثير من المبادرات التنموية في تعز بسبب محاولة الجميع احتكار الإنجاز لنفسه أو لحزبه فيذوب المشروع في قرارة الاختلاف
الشفاف.
صائد الثعابين
كنت بحاجة إلى شكر عبد الحكيم هلال الشاب الذي ضيفني بالطعام والمجادلين الذين جادلوني عن أشياء لم أتمكن من استيعابها إلى الآن).
غير اني نسيت ان افعل فقد سيطرت على خيالي صورة عين الأعيان وترجمان البيان الشيخ الصفي أحمد بن علوان... أهم أعلام تعز.. الباهوت صاحب القلب الطاهر واللسان الذاكر الرجل الذي اختار الحب الإلهي والعناء الجسدي مقابل القرب.
هذه هي يفرس، تقع في جنوب غرب تعز أول ما يقابلك فيها هو مسجدها الأبيض الشهير الذي بناه عامر بن عبد الوهاب.
وأول ما يبادرك هو رائحة (الصفي) رحمه الله.. كان متواضعاً من طراز خاص أخذ من كل مدارس التصوف ما يناسب مذهبه الصوفي السني في آن واحد.
عاصر بعض أمراء الدولة الرسولية وكتب قصائد يدعو فيها إلى إقامة العدل ورفع الضيم والقهر عن الناس.. كثيرون من أبناء يفرس يتسولون بمشروعية قربهم من الشيخ.. لا يزال الكثيرون من أبناء تعز وبقية محافظات اليمن يزورون قبره تبركاً
به وفراراً من أمراض خبيثة، ولا يزال
صائدو الثعابين يهتفون بكلمات وأوامر
من أحمد بن علوان فتخرج الثعابين
مستسلمة ذليلة ولا أحد يملك تفسيراً
لاستسلام الثعابين بمجرد سماعها اسم
الشيخ هذا إن كان لديها قدرة على الإستماع).
أحمد بن علوان ينام نومته الأبدية هنا خلف هذه القضبان الحديدية.. ثمة امرأة كانت تعاني من حالة تشنج عصبي بينما ينادي أقاربها الشيخ يستعطفونه التدخل بينها وبين مرضها اللعين.. قبل دخول قرية يفرس وعلى بعد مئات الأمتار من مسجدها حذرني بعضهم من الوقوع فريسة في أيدي المحتالين الذين يدعون قربهم من الشيخ وعندما وصلت المسجد وجدت من يحذرني من تصديق تحذيرات المحتالين الذين يريدون تخويف المريض من مقيمي المسجد.
تحذيرات وتحذيرات مضادة واحتيال حقيقي على الناس وكل أهالي يفرس لديهم علاقة خاصة بالشيخ وكل الذي يصلون يفرس يصدقون هذه الترهات ولا يكتشفون سذاجتهم إلا بعد أن يعودوا من يفرس بغير فلوس كما حدث لي بالضبط).
قات سورية
عندما عدت من يفرس كانت (سورية) تستقبلني في تعز بوجهها الإنسان البريء ضحكت سورية عندما سمعت تفاصيل سذاجتي في يفرس واحترمت مشاعري تجاه الشيخ الذي زلزلني تماماً ...
لا تعرفون بالطبع من هي سورية.. إنها الفتاة الصبرية ذات العينين الصافيتين الفتاة التي تبيع القات الصبري الشهير.. تجلس تحت مظلة عتيقة وتمارس مهنتها بحنكة وثقة تزلزل جبل صبر.
أما لماذا أطلقت على نفسها اسم سورية فهذا مالم أعرفه لأنني لا أريد أن أعرف اسمها الحقيقي الذي لن يكون بالتأكيد بنفس ايقاع هذا الإسم الرائع سألتني سورية عن موعد عودتي لزيارة
تعز مرة أخرى رغم أنها لم تتعرف إلي سوى قبل ٢٤ ساعة، إنها تصنف الناس وتتعاطى معهم بأسلوب متحضر.. كنت يومها أبدو مثقفاً بفعل أجواء تعز
فعاملتني على هذا الأساس.
ما ألذقات صبر وما أجمل زي جبل صبر: الثوب ذي الأكمام الواسعة وعصابة الرأس الجميلة والأروع من ذلك كله سورية بائعة القات....