Logo

حين تدفن الحقيقة في قعر بئر عميق من يجرؤ على كشف المستور؟

 ليست أخطر الأزمات تلك التي يختلف الناس فيها حول الوقائع، وإنما تلك التي تُحجب فيها الوقائع أصلاً، ويُترك الناس نهباً للروايات المتناقضة، والتسريبات المجتزأة، والتأويلات المتصارعة، حتى تصبح الحقيقة نفسها أول الضحايا.
وهذا، في تقديري، هو الوصف الأدق لما آلت إليه قضية ميرا.
فمنذ أن تحولت القضية إلى حديث الساعة، والرأي العام يتلقى شذراتٍ متناثرة من المعلومات، وصفحاتٍ مبتورة من أحكام قضائية، ومقاطع مجتزأة، وتسريباتٍ انتقائية، بينما غابت الرواية و الوثيقة الكاملة التي وحدها تستطيع أن تحسم الجدل، وتضع كل واقعة في سياقها الصحيح.
إن العدالة والانصاف  لا تُبنى على أنصاف الحقائق، ولا على اقتطاع النصوص وصفحات الاحكام القضائية من سياقها، فذلك شبيه بمن يقتصر على قوله تعالى: ﴿فويلٌ للمصلين﴾، ويحذف ما بعدها، فينقلب المعنى رأساً على عقب.
ومن هنا، فإن أبسط مقتضيات الشفافية واحترام الرأي العام تقتضي نشر الأحكام القضائية كاملة، غير منقوصة، بديباجتها، وأسبابها، وحيثياتها، ومنطوقها، حتى يكون الناس أمام الحقيقة كما تم عرضها امام القضاء، لا كما أراد البعض أن يعرضها.
لقد تراكمت الأسئلة، ولم تتراكم الإجابات.
هل كانت القضية التي نظرتها المحاكم نزاعاً مدنياً حول الفيلا بين ميرا وفارس مناع؟
 أم أنها تضمنت أيضاً مسائل أخرى؟
وهل أثيرت أمام القضاء مسألة النسب "نسب ميرا" بالفعل، وخضعت للتحقيق القضائي المهني النزيه والعادل وفصل فيها بإحكام قضائية باته ؟ 
وهل صدرت  الاحكام الصادرة بالقضية بعد محاكمة عادلة ؟
بعيدا عن التأثيرات والتدخلات وضغوطات جماعات المصالح الخاصة على القضاء ؟
أم أن ما يتداول في وسائل التواصل يتجاوز نطاق ما نظرته المحاكم؟
وإذا كانت قد أثيرت، فمن الذي أثارها؟ 
وبأي صفة قانونية اثارها؟ 
وما الأساس القانوني الذي استند إليه؟ وإلى أي نتيجة انتهت الأحكام القضائية؟
ومن الذي حرك الدعوى الجنائية ابتداءً؟
ومن هو صاحب الصفة والمصلحة الذي تقدم بالبلاغ اوالشكوى لمأموري الضبط القضائي ؟
وماذا قالت النيابة العامة في تحقيقاتها؟
وما الوقائع التي تضمنها قرار الاتهام؟
وما التكييف القانوني الذي بُنيت عليه الدعوى العامة؟
ثم ماذا قالت المحكمة الابتدائية؟
وهل انتهت إلى الإدانة أم البراءة؟
وماذا كان موقف محكمة الاستئناف؟
وهل أيدت الحكم أم عدلته أم ألغته؟
هذه ليست أسئلة فضول، وإنما أسئلة يفرضها احترام القضاء المستقل العادلو النزية، لأن الأحكام القضائية الباته الكاملة هي المرجع الأوثق لفهم ما جرى، بينما تظل الروايات المجتزأة وقوداً دائماً للانقسام.
ولذلك فإن استمرار حجب الوثائق الكاملة لا يؤدي إلا إلى اتساع دائرة الشك، وإفساح المجال أمام الشائعات، بحيث يصبح كل فريق قادراً على بناء روايته الخاصة من صفحة أو فقرة أو تسريب.
لكن الأخطر من كل ذلك أن القضية خرجت من فضائها القانوني الهادئ إلى ساحات الاستقطاب القبلي والإعلامي والسياسي.
وباتت تتدحرج من أزمة إلى أخرى، ومن خطأ إلى خطأ أكبر، حتى وصلت إلى مراحل بالغة الحساسية، رافقها ويرافقها احتقان اجتماعي وقبلي، وتصعيد ميداني، واصطفافات تنذر بعواقب لا تُحمد عقباها.
وعندما تصل مثل هذه  القضايا "قضاياالرأي العام"  المعقدة والملغزة والمركبة والشائكة إلى هذه المرحلة، فإن الجميع يخسر، لأن القانون يتراجع، ويحل محله الانفعال والعاطفة والغوغائية، وصراعات جماعات المصالح الخاصة، وتغيب الحكمة لتحضر لغة الغلبة والقوة وردود الأفعال المتهورة.
والحقيقة أن المجتمعات لا تنهار حين تختلف، وإنما حين تستبدل ميزان القضاء العادل المستقل والنزيه بميزان العصبية، والوثيقة بالشائعة، والحجة بالصوت الأعلى.
ولهذا، فإن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تقتضي إعادة القضية إلى مسارها الطبيعي.
مسار القضاء العادل والمستقل.
ومسار الوثيقة.
ومسار القانون والعدالة والانصاف.
ورفع الظلم وجبر الضرر ..
واصلاح الاخطاء،وتقديم التنازلات المعقولة التى يقرها القانون والعرف والسلف..
إن نشر جميع أوراق القضية، وكامل الحكمين الابتدائي والاستئنافي، وسائر الوثائق التي يجيز القانون نشرها، ليس خدمة لطرف دون آخر، بل خدمة للحقيقة نفسها.
فالحقيقة لا يضرها أن تُعرض كاملة، وإنما يضرها الاجتزاء، والانتقاء، والإخفاء.
كما أن الواجب اليوم يقتضي إبعاد الانفعال عن إدارة هذا الملف، وتنحية الطائشين والغوغائيين والمراهقين عن ادارة ملف القضية ،وإفساح المجال للعقلاء والحكماء وأهل الخبرة،والحل والعقد.
 ليُدار الملف بمنطق الدولةوالقانون والحكمة السياسية ، لا بمنطق الغوغاء وردود الأفعال، وبحكمة القانون، لا بانفعال اللحظة، حفاظاً على السلم الأهلي ، وحقناً للدماء، وصوناً للنسيج الاجتماعي.
فما تزال الفرصة قائمة لأن تنتصر الحكمة على الغوغائية، والشفافية على الغموض، والقانون على الفوضى.
ويبقى السؤال الذي لن يفقد مشروعيته حتى تظهر الحقيقة كاملة:
من المستفيد من بقاء الأحكام القضائية الكاملة غائبة عن الرأي العام؟ 
ومن الذي يخشى أن تُقرأ القضية كما طرحت  في أوراقها الرسمية، امام القضاء ،لا كما رُويت على منصات التواصل الاجتماعي؟
فالحقائق لا تموت، لكنها قد تُدفن زمناً.
غير أن كل بئر، مهما بلغ عمقها، لا تستطيع أن تحجب الحقيقة إلى الأبد.
والله من وراء القصد.