اليمن… حين يصبح الدفاع عن الوطن تهمة
هناك لحظات في تاريخ الأمم لا يكون الخطر فيها قادما من الحدود، بل من داخل الفكرة التي تدار بها الدولة. ذلك أن الدول لا تسقط فقط بفعل الحروب، وإنما تسقط قبل ذلك حين تختل البوصلة،
فتختلط السلطة بالوطن، ويعامل الحاكم باعتباره الدولة، وينظر إلى النقد باعتباره خصومة، وإلى المعارضة باعتبارها جريمة، وإلى المطالبة بالإصلاح باعتبارها تهديدا للاستقرار..
ولعل هذه كانت المعضلة الكبرى التي واجهتها الدولة العربية الحديثة منذ نشأتها، إذ نجحت في بناء أجهزة السلطة أكثر مما نجحت في بناء فكرة الدولة،
واستطاعت أن تؤسس مراكز نفوذ، لكنها عجزت في أحيان كثيرة عن ترسيخ مبدأ أن الشرعية الحقيقية لا تستمد قوتها من الغلبة، بل من رضا الناس، ومن سيادة القانون، ومن خضوع الجميع للمساءلة..
واليمن لم يكن استثناء من هذه القاعدة.
فهذا البلد الذي حمل عبر تاريخه أعباء الجغرافيا والسياسة معا، ظل يدفع ثمن الصراع على السلطة أكثر مما استفاد من التنافس على بناء الدولة.
ومنذ قيام ثورتي السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر، ظل الحلم اليمني واحدا: إقامة دولة يتساوى فيها المواطنون، تدار بالمؤسسات لا بالأهواء، وبالقانون لا بموازين القوة.
غير أن هذا الحلم تعثر مرارا، لا لأن اليمنيين عجزوا عن صناعته، بل لأن مشاريع النفوذ، في الداخل والخارج، كانت تتقدم على مشروع الدولة..
ومن يقرأ تاريخ اليمن الحديث يدرك أن كل مشروع حاول أن يجعل من الجغرافيا اليمنية ساحة لحساباته الخاصة انتهى إلى التراجع، بينما بقي اليمن، بكل ما يحمله من آلام وآمال، هو الحقيقة الوحيدة التي لم تستطع الأحداث إلغاءها..
لهذا لم يكن موقفي يوما موجها ضد أشخاص، ولا مدفوعا برغبة في خصومة سياسية. كنت أرى أن الدفاع عن الدولة الوطنية يقتضي مقاومة كل مشروع يسعى إلى تمزيقها، أيا كان شعاره،
وأن مقاومة الفساد ليست معركة إدارية، بل معركة وجود، لأن الفساد لا يسرق المال العام فحسب، بل يسرق ثقة الناس في دولتهم، ويهدم المؤسسات من الداخل قبل أن يهدم الاقتصاد..
ومن هذا المنطلق، أعلنت رفضي للمشروع الحوثي بوصفه مشروعا يصادر الدولة لصالح السلالة، كما أعلنت رفضي للمشروع الانفصالي لأنه يقود إلى تفكيك الوطن،
وانتقدت السياسات التي رأيت أنها انحرفت عن الأهداف المعلنة للتحالف العربي، انطلاقا من قناعتي بأن أي دور خارجي، مهما كانت مبرراته، يفقد مشروعيته حين يصبح على حساب وحدة اليمن وسيادته ومؤسساته..
في ذلك الوقت، بدا لكثيرين أن هذا الخطاب يغرد خارج السرب، وأن موازين القوى لا تسمح بمثل هذه القراءة. لكن السياسة، في النهاية، ليست فن قراءة اللحظة فقط، وإنما فن قراءة المستقبل أيضا.
وما بدا يوما رأيا معزولا، أصبح مع تطور الأحداث موضع مراجعة ونقاش، بعدما فرض الواقع على الجميع أسئلة لم يعد ممكنا تجاهلها..
لم يكن الرهان يوما على سقوط هذا الطرف أو تراجع ذاك، بل كان الرهان على بقاء اليمن.
واليوم، بعد سنوات من التحولات، تبدو الحقيقة أكثر وضوحا: المشاريع التي لا تنطلق من المصلحة الوطنية لا تعيش طويلا، مهما امتلكت من المال أو السلاح أو النفوذ.
أما الوطن، فيبقى لأنه ليس مشروع جماعة، ولا ملك سلطة، ولا امتياز فئة، بل هو الإطار الجامع الذي يمنح الجميع معنى وجودهم..
ومن هنا، فإن الدرس الأهم الذي ينبغي أن نستخلصه هو أن مشاريعنا يجب أن تدار في إطار اليمن الكبير، لا في إطار المشاريع الصغيرة التي تغري أصحابها ببعض المكاسب المؤقتة، ثم لا تلبث أن تذبل وتموت.
فالتاريخ لا يرحم الكيانات التي تبني مستقبلها على الانقسام، ولا يحترم الأمم التي تتخلى عن هويتها الوطنية.
ومن لا يعتز بانتمائه إلى اليمن، لن يمنحه الآخرون احتراما يفتقده هو لنفسه.
فالوطن الكبير ليس شعارا عاطفيا، بل هو الشرط الأول لأي نهضة سياسية أو اقتصادية أو حضارية..
لقد علمتنا تجارب الأمم أن الدول القوية لا تبنى بالمشروعات المجزأة، وإنما بالرؤية الجامعة.
وأن الهوية الوطنية ليست عبئا على السياسة، بل هي مصدر شرعيتها.
وكل مشروع يضيق باليمن، سيضيق في النهاية بأصحابه، لأن الأوطان الواسعة وحدها قادرة على استيعاب اختلافات أبنائها وتحويلها إلى مصدر قوة، لا إلى وقود للصراع..
أما الفساد، فقد كان وما يزال العدو الأكثر خطورة، لأنه لا يرفع السلاح في وجه الدولة، بل يرتدي ثوبها.
إنه يؤجل التنمية، ويفرغ المؤسسات من مضمونها، ويحول الوظيفة العامة إلى غنيمة، ويصنع طبقة ترى في الوطن موردا للاستثمار لا قضية للانتماء.
ولهذا فإن معركة اليمن الحقيقية لن تحسم بالسلاح وحده، بل تحسم يوم تصبح النزاهة قاعدة، والمساءلة ثقافة، والقانون مرجعية لا استثناء..
وربما كان أكثر ما يدعو إلى التفاؤل اليوم هو أن دائرة الوعي تتسع.
فما كان يقال همسا أصبح يقال علنا، وما كان ينظر إليه باعتباره خروجا على المألوف أصبح اليوم جزءا من الضمير العام.
لقد اتسعت قاعدة النقد، ولم يعد الحديث عن الفساد شأنا يخص النخب وحدها، بل أصبح مطلبا شعبيا يتقدم كل يوم.
وهذه هي العلامة الفارقة في حياة الأمم، لأن الشعوب قد ترهقها الأزمات، لكنها لا تنام إلى الأبد، وإذا استيقظ وعيها، أصبح الإصلاح ضرورة لا خيارا..
لقد دفعت، كما دفع غيري، ثمن الكلمة والموقف. لكن التجربة أكدت لي أن خسارة الموقع أهون من خسارة الضمير، وأن الذين يربحون السلطة على حساب أوطانهم يخسرون، ولو بعد حين، احترام التاريخ.
أما الذين يتمسكون بمبادئهم، فقد يبدون وحيدين في بعض المراحل، لكنهم يكتشفون أن الزمن هو الحليف الأكثر وفاء للحقيقة..
وفي النهاية، لا يبقى من صخب السياسة إلا ما يكتبه التاريخ. والتاريخ، على خلاف المحاكم والسلطات وموازين القوة، لا يصدر أحكامه تحت ضغط اللحظة، بل بعد أن تهدأ العواصف، وتتساقط الأقنعة، وتظهر الوقائع مجردة من الدعاية..
وعندها لن يكون السؤال: من كان الأقوى؟ ولا من كان الأقرب إلى السلطة؟ بل سيكون السؤال الوحيد الذي يستحق الإجابة: من الذي بقي وفيا لليمن، حين كان الوفاء به مكلفا؟.