اليمن... مزاعم السيادة واستثمارات الحصار
تنزلق اليمن إلى جولة جديدة من العنف على وقع التصعيد الإقليمي الحالي، إذ يشكّل القصف السعودي مطار صنعاء، واستهداف جماعة الحوثي مطار أبها، كسراً لحالة خفض التصعيد، لتبدأ مرحلةٌ أكثر غموضاً، تحدّدها مسارات الصراع الأميركي – الإيراني،
وكذلك أدوات حلفائهما ووكلائهما في إدارة معادلة القوّة والردع.
ربّما من المهم التطرّق إلى ديناميكيات العلاقة الإيرانية – السعودية، وكذلك الأميركية – الإيرانية، بوصفها مستويات أولية تنظّم الصراع المحلّي وتوجّهه وتضبطه بارتداداته الإقليمية.
فبعيداً من التحدّيات الداخلية التي يواجهها الوكلاء، التي إن شكّلت عاملاً مؤثّراً في تبنّي خيار التصعيد، فإنّ العامل الحاسم هو تحوّلات العلاقة الإيرانية – السعودية، وتموضعات الموقف الأميركي وارتداداتها على الملفّ اليمني وعلى سياسة وكلائهما.
وإذا كان تطبيع العلاقة السعودية – الإيرانية في مطلع عام 2022 قد فرض مسار التهدئة القائم على خفض التصعيد والمضي في إجراءات أولية لبناء الثقة، فإنّه أسفر عن وقف جماعة الحوثي عملياتها العابرة للحدود ضدّ السعودية، وكذلك تنشيط قنوات دبلوماسية لتنفيذ خريطة الطريق الأممية.
وفي المقابل، التزمت السعودية بتطبيع علاقتها مع إيران، فمنحت وكيل إيران هامشاً سياسياً لتثبيت سلطته وتحسين موارده، وتمظهر ذلك في تعليق السعودية حظر الملاحة الجوّية في مطار صنعاء الدولي، وتمكين "الجماعة" من استئناف رحلات جوّية إلى عمّان، وكذلك القاهرة. ويضاف إلى ذلك،
وفي سياق إجراءات بناء الثقة، أنّ السعودية سيّرت طائرةً خاصّةً لنقل قيادات "الجماعة" لأداء شعائر الحج. كما أنّ السعودية، ونتيجة لسيطرتها الفعلية على الأجواء اليمنية، رقابةً وإشرافاً، بموجب وقوع اليمن تحت البند السابع، وظّفت هذه الامتيازات الحصرية تبعاً لعلاقتها بإيران.
فقبل عامين، وصل السفير الإيراني علي محمّد رضائي إلى صنعاء، ولم تثر السعودية حينها قضية انتهاك إيران للسيادة اليمنية. وبموازاة ذلك، التزمت إيران بشروط التهدئة،
وتمثّل ذلك في عدم قيام سفيرها في صنعاء بأيّ نشاط عدائي تجاه السعودية، إلى جانب دفع "الجماعة" إلى تطبيع علاقتها مع السعودية. هذه التفاهمات جنّبت اليمن التوتّرات الإقليمية،
إذ إنّ جولات الحرب الأميركية – الإيرانية، وكذلك قصف إيران الدول الخليجية، وفي مقدّمتها السعودية، لم تؤثّر في مسار التهدئة في اليمن. فمع شنّ "الجماعة" هجمات ضدّ إسرائيل، فإنّها تبنّت استراتيجية الحياد الجزئي. ومن ثمّ، فإنّ تحوّلات أكثر أهمّيةً دفعت،
كما يبدو، إلى تحريك الأزمة اليمنية، وهذه المرّة من ملفّ الملاحة الجوية، بما يتضمّنه ذلك من تصدير مزاعم السيادة إلى رفع الحصار عن اليمن.
لم تكن عودة قضية مطار صنعاء واجهةً للتصعيد السعودي – الإيراني سوى انعكاس لتطوّرات الحرب الأميركية – الإيرانية، إذ يتساوق تفجّر أزمة الملاحة الجوّية وافتعالها سياسياً وعسكرياً أيضاً مع التوتّرات الإقليمية واتساع رقعتها الجغرافية،
وذلك بعد استئناف الحرب الأميركية – الإيرانية، وتصاعد وتيرتها وبنك أهدافها، من تشديد الحصار الأميركي على إيران، إلى استهداف إيران الدول الخليجية، وكذلك إغلاق مضيق هرمز،
بحيث باتت اليمن، التي ينشط فيها فاعلون إقليميون ودوليون متعدّدون، مساحةً حيويةً لإدارة هذه التوتّرات، سواء بوصفها رسائل سياسية متبادلة وتفريغاً للتوتّرات، أو لاستكناه أدوات ضغط جديدة ومحتملة في المرحلة المقبلة.
فبعد تسيير إيران رحلة جوية إلى مطار صنعاء في مطلع يوليو/تمّوز الجاري، أقلّت وفد جماعة الحوثي لحضور مراسم عزاء المرشد الإيراني، وما تبعه من إدانة السعودية انتهاك إيران السيادة اليمنية، وتأكيد لجوئها إلى خيارات حازمة،
تصاعد الصراع إلى مستوى جديد بعد تسيير إيران رحلة جوّية أخرى في 13 من الشهر الجاري لإعادة الوفد الحوثي إلى صنعاء، اعتبرته السعودية تحدّياً لإرادتها السياسية، ترتّب عليه قصفها مطار صنعاء.
إلى حدّ كبير، تكشف أزمة الملاحة الجوّية في اليمن انتزاع سيادة الدولة لصالح المتدخّلين ووكلائهم وتوظيفاتهم من مرحلة إلى أخرى.
بيد أنّ المهمّ هو مقاربة اللوائح الناظمة لحركة الملاحة في مطار صنعاء، من حيث القوانين الدولية السارية والترتيبات الأمنية المصاحبة، وكذلك مفاعيل الحظر الجوي.
فالمعطى الواقعي هو تعليق السعودية والفاعلين الدوليين إجراءات الحظر الجوي مقابل تثبيت تفاهمات التهدئة بين إيران والسعودية، التي باتت قانوناً رسمياً، وإن كان غير مُعلَن.
والمتغيّر الوحيد في حالة مطار صنعاء في السنوات الماضية هو قصف الكيان الإسرائيلي المطار، وما أسفر عنه من خروجه عن الخدمة، ما يعني بقاء الترتيبات المرحلية للمطار كما هي، وإن كانت، بالطبع، خارج القوانين الدولية المتمثّلة في إجراءات الحظر.
ومن جهة أخرى، فإنّ السعودية، باعتبارها المُشرِفة والمُراقِبة للملاحة اليمنية، بما في ذلك الرحلات القادمة من المطارات اليمنية وإليها، كانت على علم بموعد الطائرة الإيرانية، ومنحتها إذناً بالهبوط، وذلك بحسب مصادر في مطار صنعاء.
بيد أنّ السعودية وظّفت حادثة الخرق الإيراني، بعيداً من قوانين الحظر وإجراءاته، ناهيك عن السيادة اليمنية، بهدف تثبيت معادلة القوّة والنفوذ ضدّ إيران،
وبالطبع وكيلها في اليمن، من خلال الاستفادة من التوتّرات الأميركية – الإيرانية الحالية وارتداداتها على الملفّ اليمني، وتحديداً على وكيل إيران، جماعة الحوثي، وهو ما يتمظهر في دعم أميركا لحليفها السعودي باستخدام الخيار العسكري ضدّها،
ما يعني، بعيداً من أزمة الملاحة، أنّ أيّ إجراء عسكري تقوم به السعودية ضدّ جماعة الحوثي يحظى، في الظرف الحالي، بضوء أخضر أميركي.
سياسياً، دفعت السعودية السلطة الشرعية إلى تدويل حادثة الطائرة الإيرانية، بعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن.
بيد أنّ اللافت هنا أنّ السعودية، ومع سعيها إلى تثبيت معادلة النفوذ في الملفّ اليمني، تحايلت على مخاطر تدشينها حرباً مفتوحةً ومبكّرةً مع إيران ومع جماعة الحوثي، وذلك، كعادتها، بتحميل السلطة الشرعية مسؤولية قصف مطار صنعاء،
علماً أنّ "الشرعية" لا تمتلك قوّة جوية، ناهيك عن أنها لا تمتلك طيراناً حربياً. إضافة إلى هذا، وبحسب شهود عيان، يعود حطام الصواريخ التي استهدفت مدرّج الطيران إلى صواريخ تملكها السعودية.
وبموازاة تدويل انتهاك إيران للملاحة الجوية، أثارت السعودية وأميركا مسألة أمن الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما عكس مخاوفهما في هذه المرحلة، مع تصاعد أزمة مضيق هرمز وإمكانية لجوء "الجماعة" إلى إغلاق مضيق باب المندب.
تمظهر ذلك في تصويت مجلس الأمن على قرار تمديد آلية رقابية لمتابعة التحرّك الحوثي في البحر الأحمر.
في المقابل، رفعت إيران التي تستثمر الملفّ اليمني في إدارة معادلة نفوذها مع السعودية، وتنويع أدوات الضغط في حربها مع أميركا، مستوى التصعيد في اليمن إلى مستوى كسر الحصار الجوي لضرورات إنسانية، وإقامة جسر جوي يربط طهران بصنعاء، وهو ما يعني توظيفاً جديداً للملفّ اليمني.
والأهمّ: تأكيد إيران ربط معادلة الملاحة في مضيق هرمز بباب المندب، أي من الجهة اليمنية، وأنّ تشديد الحصار الأميركي على إيران، واستهداف منشآتها الحيوية، سيؤدّيان إلى تصعيد عملياتها العسكرية وتوسيع نطاقاتها، من استهداف دول الخليج إلى إغلاق كلّي لباب المندب،
ومن ثمّ شلّ إمدادات الطاقة في المنطقة للضغط على أميركا وعلى حلفائها، ما قد يعني تحييدها جبهة لبنان مقابل تصعيد جبهة اليمن مع أيّ تطوّرات في الحرب مع أميركا.
وبالنسبة إلى الحوثيين، تعتمل ديناميكيات إقليمية وداخلية في إدارتها لمعادلة التصعيد. فمن جهة، عكست تحوّلات موازين القوّة في محور المقاومة هامشيتها بالنسبة إلى إيران، مقابل مركزية حزب الله وجبهة لبنان.
ومن ثمّ، وبهدف العودة إلى واجهة معسكر قوى المقاومة وإسناد حليفها، تعوّل "الجماعة" على الخيار العسكري لانتزاع مكاسب سياسية.
ومن جهة أخرى، فإنّ التحدّيات الاقتصادية الخانقة التي تواجهها "الجماعة"، وتصلّب الموقف السعودي إزاء تعويضها، يجعلان من أيّ تصعيد عسكري الخيار الوحيد لها، بما في ذلك تحرّرها من ضغوط الداخل. إذ ظلّت استراتيجية التصعيد في صلب سياسة "الجماعة".
فعلى مدى أشهر أعلنت التعبئة العسكرية العامّة بهدف كسر الحصار الجوّي المفروض من السعودية، إلى جانب الاستعداد للمرحلة المقبلة عبر تأهيل المطارات في المناطق الخاضعة لها، وإعلان تدشين جسر جوي يربط صنعاء بطهران.
ومن ثمّ، كانت أزمة الملاحة الجوّية كسراً لحالة الجمود السياسي والعسكري، وأرضية مناسبة لتسويق مزاعم رفع الحصار عن اليمن، وفق معادلة المطارات اليمنية مقابل المطارات السعودية. ومثّل قصفُها مطار أبها الدولي خطوةً أولى لتثبيت موقعها في معادلة الصراع الإيراني – الأميركي،
والأهمّ أمام السعودية، بهدف مساومتها على الملفّ الاقتصادي، وإن كان ذلك مقامرةً غير محسوبة.
في المحصّلة، تبقى وجهة التصعيد العسكري في اليمن ومداه مرهونَين بآفاق الصراع الأميركي – الإيراني، وبالطبع بالحسابات السعودية في إدارة الملفّ اليمني.
بيد أنّ اللافت، في سياق تصدير السيادة اليمنية، وكذلك رفع الحصار في التصعيد السعودي – الإيراني، هو أنّ السعودية التي تنتهك إيران سيادتها منذ أكثر من عام لم تجرؤ على إدانة انتهاكاتها،
ناهيك عن استخدام القوّة العسكرية، بينما وجدت المجال الجوي اليمني، المباح أصلاً، مساحةً لاستعراض القوّة. ويسري ذلك على إيران المحاصرة من أميركا، التي وجدت في الأزمة الإنسانية اليمنية مجالاً لاستثمار فيها.
أمّا الوكلاء، فهم في النهاية رجع صدى لصراعات الأسياد.
* كاتبة وناشطة يمنية