Logo

إذا دخلتَ ظفار..

 في لندن، قبل أعوام، التقيتُ بالمهندس عبد الرحمن الحمدي، شقيق الرئيس اليمني الأشهر إبراهيم الحمدي. كنّا، كِلانا، مدعويين من قبل مركز قرطبة للمساهمة في ندوة حول اليمن. 

دار الحديث حول التعقيدات السخيّة للمُعضلة اليمنية. ذهب الحديث إلى ما هو مُعقّد حدّ السخرية المُهلكة. قال الحمدي، وهو يتذكّر، إنه ترشّح للبرلمان في أوّل انتخابات جرت بعد الوحدة اليمنية، 1993م. 

ليلة فرز الأصوات تبادلت القبائل، التي أدلت بأصواتها في أكثر من جهة، إطلاق النار إلى ما بعد منتصف الليل. صباح اليوم التالي لم يعثروا على قتيل واحد. سأل كبار السنّ عن الأمر فأجابوه: "بيتناقشوا". أي أنّ كلّ ذلك الرعب لم يكن سوى نقاش. 

انفجرت الحرب بعد ذلك بعام واحد، 1994. انتصر صالح وحلفاؤه ولكن المعركة بقيت مُستعرة حتى الآن. الحرب تلك كانت استمراراً للنقاش اليمني - اليمني الذي تُوّج باتفاقية رعتها الأردن. إذا ذهب اليمنيون إلى النقاش فإنّ الكثير من الدخان سيتصاعد خلف الجبل. 

بعد ست جولات قتال مع الحوثيين قال الرئيس الراحل صالح إنّ كلّ ذلك لم يكن سوى "خلاف إداري". فهو والحوثيون يشتركان في تفاهمات "كُتبت في السماء"، على حدِّ تعبيره. انتهت تفاهمات السماء بمقتله وتهشيم رأسه في مشهد أذهل العالم.
 
يُحاول قادة سياسيون من جنوب اليمن فرض معنى واحد للقضية الجنوبية، ثم يختزلون الحلّ في طريق واحد: استقلال الجنوب. 

اليمني الشريف هو ذلك الذي يرى في تقسيم اليمن حلاً أخلاقياً، بل وتاريخياً. "لماذا لا تعترف بالقضية الجنوبية"، يُطرح السؤال على الدوام. 

الإجابة الحذرة تأتي غالباً على هيئة سؤال: وكيف أفعل ذلك؟ ينال هذا السؤال الساذج جواباً حاسماً: استقلال الجنوب. التفكيك يُسمّى القضية، انهيار المشروع الوطني التاريخي يُعد حلّاً. المشكلة لا أحد يضع يده عليها، هناك ضجيج عال، ضجيج وحسب. 

في الشمال، حيث الحوثيون، يُقصد باليمن الأرض التي تُدين بالولاء لعبد الملك الحوثي، لإمامته كما ترسمها كتب المذهب الجهادي "الزيدي". المرتزقة هم أولئك الذين يُسائلون إمارة عبد الملك أخلاقياً وقانونياً وتاريخياً. 
 
يُقال أنّ شيخاً عربيّاً وفد على ملك حِميري في مكان إقامته في ظفار. حيّاه الملك قائلاً "ثب"، فوثب الشيخ وكسر ساقه. 

هنا قال له الملك "إذا دخلت ظفار فتحمير"، أي تعلّم الحميرية. في الحميرية عليك أن تجلس حين يُقال لك ثب! امتداداً لذلك العمق التاريخي المُثير يصبح القتال نقاشاً، تصيرُ الحرب خلافاً إدارياً، ويُمجّد الانقلاب بوصفه تكتيكاً في السياسة. 

من غير المُستغرب أن يأخذ الجزء الأخير من هذه الملحمة التاريخية صورة مدمّرة عنوانها "المسيرة القرآنية".

كما لو أنّ الحرب ابنة البارحة، النقاش العام لا يمنحك انطباعاً أنّها قد علّمت الناس شيئاً. يُعاد إنتاج النزاع، والنقاش، بالآليات نفسها التي قادت إلى النكسة. 

تُخاض الضغائن كما لو أنّها اكتشاف جديد، كلّ حديث عن استعادة الدولة يُقصي أوّل ما يُقصي أولئك الذين يريدون بالفعل استعادتها. 

الضحايا لم ينتظموا بعد على خطّ واحد، لا يزالون يرفضون الاعتراف بالحقائق كلّها. لا يوجد منتصرون ولا مهزومون، هناك تفكّك عظيم، سديم، أمّة كبيرة غادرت التاريخ وتركت خلفها جغرافيا بلا صاحب.

 داخل هذا التفكّك لا يزال عالقاً بمفهوم الحرب شيء من معنى "الخلاف الإداري والنقاش". 

وفقاً لمفوضية اللاجئين، هناك حوالي خمسة ملايين نازح يمني، وحوالي ثلث مليون آخرين مسجلون على قوائم اللجوء. ملايين أخرى تاهت في الأرض، غير مرئية وغير مرصودة.
 
اختفى كثيرٌ ممّن بنوا كلّ هذا الجحيم، ماتوا أو قتلوا تاركين خلفهم أجيالاً تتحدّث مثلهم، تحتال مثلهم، تبيع كتفيها مُستأنسة بتاريخهم، وتستعير من شفاههم الميتة كلمات قديمة.

 في بعض جوانب المُعضلة اليمنية يبدو التفكّك قدراً مستداماً، كما لو أنّ الرهان يذهب إلى الإعياء، أن يصاب كلّ الناس بوهن الحروب Kriegsmüdigkeit، ثم ستسقط الجدران والحصون من تلقاء نفسها.

على أنّ اليمن ليس استثناء في التاريخ. أمم كثيرة أعادت إنتاج نفسها من رُكام تاريخي مُعقّد ومُتناقض، أخرى وصلت إلى الاستقرار عبر طريق طويل من زعزعة الاستقرار. 

ربّما يكمن الاستثناء اليمني في "ثب" التي تعني اجلس، في النقاش بالبنادق، وتمجيد التفكيك بوصفه حلاً عادلاً. 

* كاتب وروائي وطبيب قلب يمني