Logo

هل أصبحت الحرب حتمية في اليمن؟

 يوم الإثنين الماضي أعلن الحوثيون فرض «حظر بحري» على السعودية، في بيان بدا إيرانياً بامتياز. إيران لا ترغب في أن تظهر بمظهر من يُصعّد بشكل مباشر على السعودية، لعدة أسباب، منها أن طهران لا تريد حرباً مباشرة مع الرياض، بل تريد العودة لأسلوبها المفضل في حرب الوكالة،

 كما أن إيران لا ترغب في الدخول في مواجهة مع باكستان التي تملك معها حدوداً مشتركة، والتي وقعت مع السعودية معاهدة دفاع مشترك، وكذا لكيلا تثير طهران غضب المسلمين باستهداف الرمزية الدينية التي تمثلها السعودية، 

ثم إن طهران كذلك لا تريد أن تثير غضباً عالمياً بالاستهداف المباشر لقطاع الطاقة العالمي، في قلبه السعودي.

من هنا أوعزت طهران للحوثيين بالقيام بالمهمة، نيابة عنها، على اعتبار أن الميليشيا غير مسؤولة، ويمكن أن تنفذ المهمة لصالح طهران، كنوع من رد الجميل، وتنفيذاً لتهديدات مسؤولين إيرانيين بإغلاق باب المندب، حال استمرار الحرب على نظامهم، 

وعلى أن تكون البداية باستهداف السفن السعودية، على اعتبار أن القرار قرار الحوثيين، ولا علاقة للإيرانيين به، رغم أنهم هددوا مرات كثيرة بإغلاق باب المندب.

قبل بيان الحوثيين أرسلت إيران طائرة مدنية إلى صنعاء، تتبع شركة ماهان التابعة بدورها للحرس الثوري، والتي فُرضت عليها عقوبات أمريكية، بسبب نقلها أسلحة للنظام السوري آنذاك، الطائرة دخلت الأجواء اليمنية، دون إذن، وكان الهدف المعلن نقل قيادات حوثية من صنعاء لطهران، للمشاركة في عزاء المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي. 

مصادر من الجانب الحكومي تشير إلى نقل طهران طائرات مسيرة، ومعدات عسكرية، وقيادات مدربة على إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات، على متن طائرة ماهان.

طائرة الشركة ذاتها أرادت العودة لصنعاء، بحجة نقل وفد الحوثيين من إيران إلى اليمن، الجيش اليمني أعلن ضرب مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة الإيرانية من الهبوط فيه، الطائرة حولت رحلتها إلى الحديدة، وبذا تكون طهران أخفقت في صنعاء، ولكنها نجحت في الحديدة. 

ومع ذلك فإن ضرب مطار صنعاء سيجعل الإيرانيين يفكرون قبل إرسال طائرة أخرى، حيث تبدو الحكومة اليمنية والتحالف أكثر تصميماً على منع حدوث مثل ذلك مستقبلاً.

إيران تضغط على الحوثيين لتفجير المعركة في باب المندب، لإغلاقه، من أجل تخفيف الضغط على طهران، ورحلة الطائرة كانت في الأساس لنقل السلاح، تحت غطاء نقل وفد للمشاركة في تشييع جنازة. 

الحوثيون بدورهم منقسمون، فريق يرى ضرورة دخول المعركة بإغلاق باب المندب، نزولاً عند رغبة الإيرانيين، وفريق يتخوف من دخول المعركة، خشية ردة الفعل الإقليمية والدولية.

الحوثيون يحتاجون المزيد من السلاح، وإيران تبحث سبلاً أخرى لنقل الأسلحة للحوثيين، بعد تشديد الرقابة على طرق التهريب البرية القادمة من شرق البلاد، أو عبر البحر، إذ تضبط القوات الحكومية، والقوات الدولية، بين الحين والآخر، كميات كبيرة من الأسلحة، في طريقها للحوثيين الذين يحتاجون السلاح، لدخول المعركة مع إيران، وخاصة السلاح اللازم لتعطيل الملاحة البحرية.

قد يقوم الإيرانيون بمغامرة جوية أخرى، عبر ماهان، لإرسال السلاح، وهو أمر بالغ الخطورة مع تطورات الأحداث الأخيرة، وقد يلجأ الإيرانيون إن تمكنوا إلى إيصال السلاح إلى أي من الجماعات المسلحة في القرن الإفريقي، ومن ثم للحوثيين الذين يفترض أن يؤمنوا استخبارياً طريق وصول السلاح إليهم من الساحل الإفريقي للبحر الأحمر،

 حيث لم تتوقف حركة نقل السلاح عبر شاطئي البحر الأحمر، بين الحوثيين والجماعات المسلحة على الضفة الأفريقية، حسب تقارير دولية.

الإيرانيون يكثفون الضغط على الحوثي لدخول المعركة، إذ يرون أن إغلاق باب المندب، إضافة إلى مضيق هرمز، وأن استهداف موارد الطاقة، وسلاسل الإمداد في الخليج والبحر الأحمر سيجعل العالم يرفع الراية البيضاء، ويوقف الحرب على بلادهم.

هذا تفكير انتحاري، بطبيعة الحال، قد يؤدي إلى نتائج غير تلك التي يرجوها الإيرانيون، وذلك بدخول أطراف أخرى لا تزال تتردد في دخول المعركة ضدهم، 

إذ لا يمكن أن يتسامح العالم مع السيناريوهات التي تخطط لها قيادات الحرس الثوري، وجوقة العقائديين في النظام، في إشعال المعركة، على طريقة الانفجار الذي ينفس الضغط، وهو خيار شمشوني، لا يمكن للإيرانيين ضبط مآلاته.

بالنسبة للحكومة اليمنية فإن قواتها تبدو أكثر قدرة من ذي قبل، بعد انسجام مصدر القرار في التحالف العربي الذي أدى بدوره إلى انسجام القرار الأمني والعسكري، داخل الشرعية اليمنية، ناهيك عن أن الحكومة تعمل على تأهيل قواتها بشكل مستمر، مع إعادة تأهيل أسطولها من الطائرات الحربية.

وفي الشرعية اليمنية تتوالى التصريحات من أعلى المستويات عن الاستعداد للمعركة التي ستفرضها إيران عبر ذراعها الحوثية، ليس في البحر الأحمر، وحسب، ولكن على البر اليمني، مع التحضير للمواجهة التي تقول المؤشرات إنها باتت حتمية، وإن كانت الحكومة الشرعية، والتحالف لا يريدانها،

 وهو ما تفسره إيران والحوثيون على أنه ضعف، قد يدفعهم لتفجير المعركة التي يبدو مستحيلاً أن تنتهي كما يريدون.

مشكلة الحوثي أنه لا يتغير، ولا يدرك أن ما حوله قد تغير، وأن ما كان ممكناً أمس لم يعد ممكناً اليوم، وأن «لا» التي لم يستطع قولها لطهران لن تجعله يحصل على «نعم» التي يريدها من السعودية، وأن كثيرين في اليمن وخارجه ينظرون إلى أن الحوثي ليس مريضاً يحتاج العلاج، بل مجرماً يستحق العقاب.

هذه كلها عوامل تدفع باتجاه تفجر الصراع مرة أخرى في اليمن، ما لم يحدث أي تغيير جوهري يمنع اندلاع الحرب مرة أخرى، كأن يتم التوصل إلى تفاهمات مع النظام الإيراني، تنعكس إيجاباً على الوضع في اليمن، أو أن يصل هذا النظام إلى درجة من الضعف لا يستطيع معها، التدخل بدعم ميليشياته في المنطقة، وحينها لن يقدم الحوثي على أي مغامرة غير محسوبة.