Logo

طاحونة العدم ومسرحية الحرب

​اثنا عشر عامًا واليمن يُطحن في رحى الجحيم، عالقًا في برزخ "اللا سلم واللا حرب". ملايين اليمنيين يتجرعون يوميًا مرارة الخوف والجوع والفقر، بينما تتآكل أعمارهم في طاحونة استنزاف لا تكاد تتوقف.
 وبعد كل هذا الخراب والعبث، لم يعد أمامنا سوى أن نردد بمرارة المقهورين: "قوموا نُصلّي... كله كذب".
​حتى اليوم، لا يوجد على هذه الأرض الممزقة من يمثل اليمنيين حقاً، أو يجسد مشروعًا وطنيًا جامعًا يستعيد سيادة البلاد، وينتصر لمظلومية شعبها المنهك.
 انهارت مؤسسات الدولة، تفكك اليمن وحل الجيش، وتحولت البلاد إلى ساحة رماية مفتوحة تتنازعها قوى وارتهانات محلية وإقليمية.
​كل طرف يرفع شعاراته، لكن المواطن الكادح هو من يدفع الثمن من دمه وقوته.
 وبينما تتبادل قوى الصراع الاتهامات والانتصارات الإعلامية الزائفة، يبقى المواطن اليمني العادي هو الخاسر الأكبر؛ يُسلب أمنه، ويُصادر رزقه، ويُغتال أمله، عامًا بعد عام.
​لقد أصبحت اليمن رقعة شطرنج لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، حيث تتحرك أدوات الصراع بـ "الريموت كنترول" ضمن حسابات الكفلاء، بعيدًا عن أي إرادة وطنية مستقلة.
 قرارات الحرب والتهدئة لا تُصنع هنا، بل تُحدد بالمنقلة والمسطرة في عواصم أخرى، بينما تستمر معاناة اليمنيين بلا أفق.
​وعلى امتداد سنوات هذه المأساة، استُثمرت أوجاع الناس في بورصة الخطابات السياسية.
 انقسم المجتمع والبيت الواحد؛ أخ يشقى في هذا المحور، وأخ في المحور المقابل، والحسّابة بتحسب، بينما المقابر تبتلع الشباب، والفقر والجوع ينهش البيوت، وفاتورة الدم يدفعها البسطاء وحدَهم.
​حتى أبواق الإعلام ومشاهير "نظام التفاهة" حولوا هذه الفجيعة إلى مادة للضجيج والارتزاق؛ يقتاتون من الاستقطاب، وتتضخم أرصدتهم كلما ازداد وجع وجوع الناس، في الوقت الذي يبحث فيه المواطن المسحوق عن كسرة خبز حافية  أو حبة دواء.
​ووسط هذا العبث، يبقى السؤال الملح: أين المشروع الوطني الجامع؟
 أين القوة التي تنحاز لليمن أولًا، غير مرتهنة للخارج، ومتمردة على منطق الغلبة والثأر والمحاور؟
​حتى اللحظة، لا نرى هذا المشروع. لكن التاريخ يُعلمنا أن الأوطان، مهما طال ليلها، قادرة على أن تنجب من رحم المعاناة رجالًا ونساءً يحملون مشروعًا وطنيًا صادقًا وشجاعًا، يعيد للدولة الوطنية معناها، وللقانون هيبته، وللمواطن كرامته.
​عندها فقط، ستنقشع الغمة، وتُطوى صفحة هذا المسرح العبثي الدامي إلى الأبد، ليبدأ فصل جديد عنوانه: الدولة، والعدالة،والمساوة والاخاء والسلام.
​ولله عاقبة الأمور.