*الدين يستمد مشروعيته من الوحي، أما السياسة فتستمد مشروعيتها من رضا الناس:*
في الجزء الأول تناول الكاتب *(زكريا نمر)* جذور الأزمة الناشئة عن تحويل الدين من رسالة أخلاقية إلى مشروع سياسي مغلق. وفي هذا الجزء يناقش كيف يؤدي احتكار الحقيقة إلى منح السلطة حصانة مقدسة تحول دون النقد والمساءلة.
يرتكب الخطاب الديني السياسي خطأً فلسفيًا عميقًا حين يتعامل مع الحقيقة السياسية كما لو كانت حقيقة مطلقة.
فالحقيقة الدينية تستمد مشروعيتها من الوحي، أما الحقيقة السياسية فلا تستمد مشروعيتها إلا من رضا الناس؛ لأنها تتعلق بإدارة الشأن العام لا بالخلاص الروحي.
السياسة مجال للاجتهاد والمراجعة والتصحيح، وليست مجالًا لليقين المطلق.
ولذلك فإن السياسة لا تعرف المقدسات، بل تعرف المصالح، والمراجعة، والخطأ، والتصحيح.
وتصبح الديمقراطية أكثر من مجرد آلية انتخابية؛ إنها إعلان فلسفي بأن أحدًا لا يحتكر الحقيقة السياسية.
فكل سلطة قابلة للنقد، وكل برنامج قابل للمراجعة، وكل حاكم قابل للاستبدال.
*أما عندما يدخل المقدس إلى المجال السياسي، فإن السلطة تكتسب حصانة أخلاقية، ويصبح نقد الحاكم قابلًا لأن يُفسَّر على أنه نقد للدين نفسه.*
وهذه هي أخطر نتائج تسييس الدين: حماية السلطة بالمقدس.
فبدلًا من أن يكون الحاكم مسؤولًا أمام المواطنين، يصبح مسؤولًا أمام تفسير يدّعي امتلاك الإرادة الإلهية، وتتحول المعارضة من منافس سياسي إلى خصم ديني.
وعندما تُحمى السلطة بالمقدس، يصبح الاختلاف السياسي خلافًا دينيًا، وتتحول المعارضة إلى تهمة.
*وهكذا ينزلق المجتمع من التعددية إلى التخوين، ومن الحوار إلى التكفير، ومن المواطنة إلى الفرز العقائدي.*
ومن أخطر نتائج ذلك الانتقال من ثقافة الحوار إلى ثقافة التخوين، ومن التنافس السياسي إلى الصراع العقدي.
لقد نبه الفيلسوف الفرنسي *(ميشيل فوكو)* إلى أن السلطة لا تحكم بالقوة وحدها، بل بإنتاج الحقيقة. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الخطاب الديني المؤدلج بوصفه جهازًا لإنتاج الحقيقة الوحيدة.
فالخطاب المؤدلج لا يقول: هذا رأينا السياسي، بل يقول: هذا حكم الله.
والفرق بين العبارتين هائل؛ *فالرأي يمكن مناقشته، أما ما يُنسب إلى الله فيصعب الاعتراض عليه دون أن يتحول الخلاف إلى اتهام في العقيدة*.
وأشار المفكر *(محمد أركون)* إلى أن الفكر الإسلامي دخل منطقة مغلقة حين أُحيط التراث بسياج من القداسة، فلم يعد من السهل إخضاعه للنقد التاريخي والعقلي.
وحين تتحول الاجتهادات البشرية إلى مقدسات، يتعطل النقد وتتوقف المراجعة.
كما أشار *(نصر حامد أبو زيد)* إلى أن النص لا يتكلم وحده، وإنما يتكلم عبر الإنسان الذي يقرؤه؛ ومن ثم فإن كل تفسير هو فعل بشري، لا نسخة مطابقة للإرادة الإلهية.
فالتفسير اجتهاد بشري قابل للصواب والخطأ، وليس مرادفًا للوحي ذاته.
*لكن الحركات الإسلامية غالبًا ما ألغت هذه المسافة، وقدمت قراءتها الخاصة باعتبارها الإسلام نفسه لا اجتهادًا من اجتهاداته، فانتقلت من الدفاع عن الدين إلى احتكار الحديث باسمه*.
ومن هنا يبدأ الخطر الحقيقي: حين يتحول الاجتهاد إلى يقين، والرأي إلى عقيدة، والحزب إلى ممثل حصري للدين.
*يتبع في الجزء الثالث: الدولة الحديثة بين المواطنة والقداسة السياسية.*
* رئيس المكتب السياسي لحركة الحوثي سابقاً