Logo

الدولة الحديثة بين المواطنة والقداسة السياسية:

في الجزأين السابقين ناقش الكاتب كيف يبدأ الخلط بين الدين والسياسة، وكيف يقود احتكار الحقيقة إلى إضفاء هالة من القداسة على السلطة. 
وفي هذا الجزء الأخير يتناول أثر ذلك على مفهوم الدولة والمواطنة وإدارة التنوع داخل المجتمع.
*لقد كشفت التجارب أن المشكلة لا تبدأ عند وصول الإسلاميين إلى السلطة، بل تبدأ منذ تصورهم للسلطة نفسها*.
فهم لا ينظرون إليها باعتبارها عقدًا اجتماعيًا بين مواطنين متساوين، بل باعتبارها وسيلة لتحقيق مشروع أخلاقي شامل.
*وعندما تصبح الدولة مسؤولة عن صناعة الفضيلة، فإنها تميل إلى مراقبة الضمائر أكثر من بناء المؤسسات*.
وتنشغل بهوية الناس ومعتقداتهم أكثر من انشغالها بحقوقهم وحرياتهم ومصالحهم العامة.
*إن الدولة الحديثة لا تسأل المواطن: ماذا تؤمن؟ بل تسأله: ما حقوقك وما واجباتك؟*
أما الدولة المؤدلجة فتسأل أولًا: من أنت؟ وما عقيدتك؟ وإلى أي جماعة تنتمي؟
*وهكذا تتراجع المواطنة إلى المرتبة الثانية، بينما تتقدم الهوية العقائدية لتصبح أساس توزيع الثقة والشرعية.*
ومن هنا تنشأ أشكال مختلفة من التمييز والاستبعاد، ويصبح الانتماء الفكري أو المذهبي معيارًا للتقارب أو الإقصاء.
*فالمواطنة تجمع الناس على أساس الحقوق المتساوية، أما الأيديولوجيا فتفرقهم على أساس الانتماءات والاعتقادات.*
وليس من قبيل المصادفة أن كثيرًا من تجارب الإسلام السياسي أخفقت في إدارة التنوع؛ لأن الخطاب الذي يعتقد امتلاك الحقيقة يجد صعوبة في الاعتراف بشرعية الاختلاف.
فالاعتراف بحق الآخرين في الاختلاف يقتضي الاعتراف بإمكانية الخطأ، بينما الأيديولوجيات المغلقة ترى نفسها دائمًا على صواب.
*إن الديمقراطية لا تعني أن يكون الناس بلا دين، وإنما تعني ألّا يتحول الدين إلى امتياز سياسي أو وسيلة لاحتكار السلطة.*
*الديمقراطية لا تحارب الدين، وإنما تحميه من التوظيف السياسي، وتحمي السياسة من ادعاء العصمة.*
ولذلك فإن العلاقة السليمة بين الدين والديمقراطية ليست علاقة صراع، بل علاقة حدود متبادلة؛ للدين مجاله الأخلاقي والروحي، وللدولة مجالها القانوني والمؤسسي.
فكلما تحرر الدين من الاستخدام الحزبي استعاد مكانته الأخلاقية، وكلما تحررت الدولة من ادعاء القداسة أصبحت أكثر عدلًا وقدرة على تمثيل جميع مواطنيها.
*لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات التي قدّست السلطة انتهت غالبًا إلى الاستبداد والجمود، بينما استطاعت المجتمعات التي أخضعت السلطة للنقد والمحاسبة أن تصحح أخطاءها وتتطور باستمرار.*
وما يميز الدولة الديمقراطية ليس أنها تنتج حكامًا أفضل بالضرورة، بل أنها تمتلك آليات سلمية للتخلص من الحكام السيئين دون أن تنهار الدولة.
إن أعظم خطأ ارتكبته الحركات الإسلامية أنها اعتقدت أن امتلاك الإجابة الدينية يمنحها تلقائيًا القدرة على إدارة الدولة، متناسية أن الحكم علم، وأن الاقتصاد علم، وأن الإدارة علم، وأن السياسة فن للتسويات لا ميدان لليقين المطلق.
فصلاح النوايا لا يغني عن الكفاءة، وامتلاك الشعارات لا يغني عن امتلاك الخبرة.
ويبقى السؤال الفلسفي الحاسم:
هل يمكن بناء ديمقراطية حقيقية إذا ظل أي حزب يعتقد أنه لا يمثل إرادة الناخبين فحسب، بل يمثل أيضًا إرادة السماء؟
ما دام هذا الاعتقاد قائمًا، فإن التداول السلمي للسلطة سيظل مهددًا، لأن من يظن أنه يتحدث باسم المطلق لن يقبل بسهولة أن يحكمه قرار نسبي يصدر عن صندوق الاقتراع.
ومن هنا تبدأ الطريق إلى الاستبداد؛ لا باسم القوة، بل باسم القداسة.
*خاتمة.*
*إن نهضة المجتمعات لا تتحقق بتقديس السلطة، وإنما بإخضاعها للمساءلة، ولا باحتكار الحقيقة، وإنما بالاعتراف بالتعددية وحق الاختلاف. فالدين يزداد قوة حين يبقى مصدرًا للقيم والأخلاق، والدولة تزداد قوة حين تبقى مؤسسة لجميع المواطنين لا لفئة دون أخرى.*

* رئيس المكتب السياسي لحركة الحوثي سابقاً