غبارٌ على الرفوف... ورمادٌ في الروح (يومياتُ رجلٍ يطحنه العوز)
كانت قريتنا يوماً جنةً خضراء. تمتد فيها كروم العنب الأسود والرازقي والعاصمي والعرقي والأطراف، وتتعانق أشجار الزيتون والسيسبان، وتفيض حقولها بالفواكه والخضروات والحبوب.
لم يكن في القرية مزارع إلا ويملك مئتين أو ثلاثمئة كَولٍ من العنب على الأقل، وكانت الأرض تُطعم أهلها بكرامة.
لكن السنوات العشر الأخيرة جاءت بالجفاف والقحط ونضوب المياه الجوفية، فانحسرت الكروم عاماً بعد عام، حتى لم يبقَ يزرع العنب إلا فلاحون معدودون، وكنا منهم.
أما اليوم... فقد لحقنا بالبقية.
عطشت كرومنا، ويبست أغصانها، وتساقطت عناقيدها اليابسة على التراب، وكأنها تشيع آخر مواسم الحياة في القرية.
وصارت الأراضي التي كانت خضراء صحراء قاحلة، تزحف فوقها المباني الإسمنتية العشوائية، بينما اضطر كل مزارع إلى بيع عشرات، بل مئات اللبنات من أرضه لينجو من الجوع والفاقة.
الجوع، والقحط، والجدب... لم يعودوا كلمات في نشرات الأخبار، بل صاروا سكاناً دائمين في القرية والوطن.
وكأن الجفاف لم يكتفِ بابتلاع خضرة الأرض، بل امتد خلسةً إلى داخلي، حتى صار يهدد آخر بساتيني... تلك التي تنبت بين رفوف مكتبتي.
منذ أسابيع، لا يكف ابن أخي عبدالسلام وأخوه عبدالرحمن عن إلحاحهما عليّ أن أوافق على بيع عشر لبنات من الأرض ليستخرجا تأشيرة عمل إلى السعودية، علّهما ينقذان نفسيهما وأسرتيهما من هذا الجوع.
وأظل أرفض. فالأرض عندي ليست عقاراً يُباع، بل أمٌّ لا تُعوَّض.
قبل أربعة أيام جاءني عبدالسلام يطلب مساعدتي في معرفة إجراءات التأشيرة وتكاليفها، بعدما وعده أحد أقاربنا المغتربين أن يقرضه قيمتها.
سألت أحد أبناء القرية، فقال إن تأشيرة عامل منزلي تبلغ عشرة آلاف ريال سعودي، عدا تكاليف الفحوصات والإجراءات التي تقارب ألف ريال أخرى.
وفي مساء اليوم نفسه وقع ما لم يخطر ببالي.
اتصل شخص يُدعى علي المرتضى، وقال إنه مسؤول الضمانات في استخبارات الشرطة، وبدأ يهدد الضامنين لعبدالسلام بالسجن وإغلاق محلهم، مطالباً بإحضاره بحجة أنه ما زال ينتقد ويحرض في المجالس، وأن من يتحدث في المقائل يُصوَّر ويُرفع أمره.
صرخت في وجه عبدالسلام:
ــ لماذا لا تكف عن الكلام؟
فأقسم بالله أنه لا يذهب إلى المقائل، ولا يتحدث في شيء.
عندها لمعت في ذهني فكرة أقلقتني. هل كان سبب هذا التهديد أنهم سمعوا مكالماتنا الهاتفية عن استخراج تأشيرة العمل؟ وهل بلغ الحال إلى أن يصبح سفر شاب يبحث عن لقمة عيش مدعاةً للريبة؟
لا رحموا... ولا تركوا رحمة الله تنزل على عباده.
ثم جاءت الضربة الأخيرة. الشخص الذي وعد عبدالسلام بإقراضه قيمة التأشيرة أغلق هاتفه، ثم حظره في "واتساب".
عاد إليّ عصر اليوم، وجلس حتى المغرب صامتاً، مكسور الجناح، مثقلاً بخيبة الأمل، وخوف السجن، وضيق الدنيا... ثم عاد إلى القرية يحمل كل ذلك وحده.
ولم يكد هذا الوجع يستقر في صدري، حتى نزلت زوجتي إليّ تنتحب.
قالت:
ــ اتصلوا من البلاد... أمي تحتاج عملية في الدماغ... والأطباء يقولون إن حالتها خطيرة.
حاولت أن أواسيها، بينما كنت أعجز عن مواساة نفسي. فليس أقسى على الرجل من أن يرى المرض يفتك بأمٍّ أو حماةٍ أو قريب، ولا يملك إلا الكلمات.
غربة الروح وحصار المطالب
أقف أمام مكتبتي التي كسا الغبار رفوفها منذ سنوات، فأشعر أنني أقف أمام جزءٍ من روحي تركته خلفي قسراً، لا اختياراً. أتأمل عناوين الفكر والفلسفة والأدب التي كانت يوماً ملاذي ووطني الداخلي، فيجلدني وخز ضمير لا يهدأ.
لم أهجر القراءة زهداً، ولا انطفأ شغفي بالمعرفة، وإنما لأن الحياة هنا لا تسرق المال وحده، بل تسرق الوقت، وصفاء الذهن، والقدرة على التأمل.
كيف يحلق العقل في سماوات الفلسفة، وقدماه تغوصان في وحل الهموم اليومية؟
وكيف تتذوق الروح عذوبة الأدب، وهي تخوض منذ الفجر حتى منتصف الليل معركةً لا تنتهي لتأمين لقمة العيش، ورسوم المدارس، ومصاريف الجامعات، وأسرةٍ لا ذنب لها إلا أنها وُلدت في زمن الجوع والفوضى؟
مضت سنوات صار الإنسان فيها يحصي أيامه، لا أحلامه. حتى الشكوى أصبحت ترفاً يخشاه كثيرون، وغدا الصمت آخر خندق يحتمي به الإنسان.
ولم يبق للمرء حتى حقه في عزلته.
تحول مجلسي إلى محطة لا تهدأ للنزاعات، وقضايا تحكيمية تافهة تستنزف الوقت والأعصاب، ولا تكاد أجورها تغطي ثمن وجع رأس ليوم واحد.
هذا يطرق الباب وقت المقيل، وذاك بعد العشاء، وثالث يريد استشارة مجانية، ورابع يطلب صياغة دعوى، وخامس عقد زواج، وسادس فتوى قانونية...
حتى صرت أقول لابني كلما سُمع طرق الباب:
"قل لهم إن أبي ليس هنا."
وما أقسى أن يضطر الرجل إلى الاختباء داخل بيته، متسولاً ساعةً من الهدوء.
ثم تصل رسالة إلى هاتف ابني:
"جدتك مريضة... قل لأبيك لازم يقدم فلوس نعالجها."
أقرأ الكلمات كأنها سكاكين. أتحسس جيبي، فلا أجد إلا فراغاً. ولا أظن أن في الحياة عجزاً أشد مرارة من أن يقف الرجل عاجزاً أمام أنين من جُعلت الجنة تحت قدميها، سواء كانت أماً أنجبته، أو أماً أهدته شريكة عمره؛ لا لضعف المحبة، بل لضعف اليد.
فجوة الأجيال وغربة المعرفة
وما إن أفيق من غيبوبة هذا الوجع، حتى يقف أمامي ابني، طالب الحقوق، مطالباً بثلاثين ألف ريال لشراء مقررات السنة الجديدة.
أفتش في مكتبتي عن أمهات الكتب التي درستها قبل ستة وعشرين عاماً، أجمع له ما تطوله يدي، وأعده بالبحث عن بقية المراجع، محاولاً أن أغرس في نفسه أن أصول القانون لا تشيخ، وأن مبادئ العدالة لا تبلى بتبدل الطبعات.
لكنه لا يرى سوى حداثة الغلاف. يرمق الكتب بازدراء قائلاً:
"هذه كتب قديمة... والمنهج تغيّر."
أشرح فلا يسمع، وأقنع فلا يقتنع، ثم ينتهي به المطاف إلى اتهامي بالبخل. يتهمني وأنا الذي اشتريت له مقررات سنته الأولى، فما إن فرغ من امتحاناته حتى وهبها لصديق لم يقرأها ولم يمتحن بها.
لم يؤلمني ثمن الورق... بل آلمني اتساع الهوة بين جيل عرف قدسية الكتاب فصانه، وجيل يظن أن قيمة المعرفة في حداثة طباعتها، لا في عمق ما تحمله.
شتات الذهن... وأمل العودة
وسط هذا الجحيم، أمد يدي إلى كتاب «حدود مصنوعة: نقض المفهوم الجغرافي للزيدية باليمن»، الذي أعارنيه مؤلفه قبل شهرين. أقرأ الصفحة الأولى... ثم الثانية... ثم الثالثة...
ثم أرفع رأسي لأكتشف، بوجعٍ لا يوصف، أنني لم أستوعب حرفاً واحداً.
ليس لأن الذاكرة خانتني، ولا لأن الزهايمر طرق بابي، بل لأن الذهن المحاصر بجحافل الهموم لم يعد يجد متسعاً لفكرة.
فالإنسان لا يقرأ بعينيه وحدهما، بل يقرأ بقلبه وروحه، فإذا أثقل الخراب الروح، تعثرت البصيرة قبل الحروف.
وأشد ما أخشاه اليوم ليس فقر الجيوب، بل أن تمتد يد الحاجة إلى روحي، فتسرق منها شغفها القديم بالمعرفة، وتطفئ إيماني بأن الكتاب كان، وسيبقى، آخر الحصون التي تحمي الإنسان من الانهيار.
اللعنة على أزمنة الجوع والفوضى والتيه... اللعنة على واقع يسلب الإنسان عقله قبل رغيفه.
ومع ذلك... ما زلت أقاوم بالكلمة.
وما زلت، كلما وقفت أمام مكتبتي، أشعر أنها لا تعاتبني... بل تنتظرني. تنتظر اليوم الذي ينقشع فيه هذا الليل الطويل،
فأزيح الغبار عن الرفوف، وأنفض الرماد عن روحي، وأعود إلى كتبي، لا هارباً من الحياة، بل رجلاً استرد روحه وكرامته من بين براثن الخراب.
فبعض الأوطان ليست أرضاً نسكنها، بل كتبٌ إذا ابتعدنا عنها، ابتعدنا عن أجمل ما في أنفسنا. وسيأتي يوم، مهما طال هذا الليل، أعود فيه إلى تلك الرفوف... كما يعود الغريب، بعد طول تيهٍ، إلى وطنه الأول.