Logo

السعودية والمسألة الحوثية

 تتماسّ الجبهتان العراقية واليمنية (بؤرتان لنشاط وكلاء إيران) بتشابك وسائل الضغط في إدارة إيران لصراعها مع أميركا وحلفائها في المنطقة.

 في المقابل، فرضت هذه المعادلة تغيّر أدوار الفاعلين الإقليميين، وفي مقدّمتهم السعودية التي باتت سياستها تتركّز على تحييد مخاطر وكلاء إيران، بدءاً من تبنّي استراتيجية رادعة بالشراكة مع الإدارة الأميركية لمواجهة تهديدات الفصائل الشيعية في العراق، وصولاً إلى تغيير مقاربتها في إدارة الملفّ اليمني، 

بما في ذلك أمن الملاحة في البحر الأحمر، من خلال توظيف تحالفاتها في صراعها مع وكيل إيران في اليمن.
 
لطالما شكّل فصل الأزمة اليمنية عن السياق الإقليمي، وتحديداً عن استثمار إيران لنفوذ وكيلها، هدفَ الاستراتيجية السعودية في إدارة الملفّ اليمني، بالتوازي مع فرض نفسها وسيطاً محايداً بين جماعة الحوثي ووكلائها المحلّيين، 

ومن ثمّ تجنّب أيّ ارتدادات في ما يتعلّق بحربها على اليمن. بيد أنّ مفاعيل الصراع الأميركي – الإيراني وانعكاساتها على الساحة اليمنية، ودخول الجماعة خطّ المواجهة البينية من خلال تصعيدها العسكري ضدّ السعودية واستهداف منشآتها النفطية، وفرض حالة من الحصار البحري على موانئها في البحر الأحمر... 

ذلك كلّه دفع السعودية إلى تبنّي مقاربةٍ أكثر شمولاً في التعاطي مع المسألة الحوثية، في المقام الأول، باستيعاب تشابك أدوار وكلاء إيران في المنطقة وتأثيرهم بمعادلة الطاقة وأمنها، 

وبالتالي بمصالحها الحيوية، بحيث أعادت ترتيب تدخّلاتها في اليمن، وذلك بالطبع وفقاً لأولوياتها التي يشكّل مركزها استعادة نوع من السيادة على الملاحة في البحر الأحمر، بما يؤدّي إلى تأمين تدفّقات إنتاجها من النفط للأسواق العالمية، 

وكذلك فرض مستوى من الردع ضدّ الجماعة، وتحسين مركز وكلائها في حال المضي إلى حرب حاسمة ضدّ الجماعة.

بالنظر إلى الحدود الجغرافية المشتركة، وإلى أنّ السعودية فاعل إقليمي مهيمن في اليمن، فقد استوجبت التوتّرات الجيوسياسية في الإقليم ودور جماعة الحوثي إنتاج آليات شاملة للتعاطي مع طبيعة هذه التهديدات وطرق المعالجات. 

فمن جهة، استطاعت السعودية، عبر جهودها الدبلوماسية، تحييد تداعيات استمرار الحرب في اليمن، بما في ذلك تدخّلها العسكري، عن مسبّبات تصعيد جماعة الحوثي بتحميلها مسؤولية الأزمة الإنسانية في اليمن. 

ومن جهة ثانية، وظّفت المخاوف الدولية من تداعيات امتداد أزمة مضيق هرمز إلى البحر الأحمر بتجريم الجماعة، وبالتالي حرمانها الأرضية الأخلاقية لفرض حصار بحري على السعودية. 

ومن جهة ثالثة، وهو الأهم، بلورت السعودية، باعتبارها دولةً مشاطئةً للبحر الأحمر، تحالفاً إقليمياً بحرياً دفاعياً بقيادتها بهدف تأمين الملاحة. ومع أنّ من الصعب التكهّن بدور التحالف في الصراع الأميركي – الإيراني في المنطقة، بما في ذلك قدرته على تحييد هجمات الجماعة في البحر الأحمر،

 فإنّ انضواء الدول الإسلامية البارزة من تركيا إلى باكستان في التحالف البحري، تُعلنه تحالفاً إسلامياً – سُنّياً مقابل الإسلام الشيعي بقيادة إيران ووكلائها، وما يستتبعه ذلك من تداعيات تكريس معسكرات دينية متصارعة،

 إلى جانب أنّ توقيت إعلان تشكيل التحالف، خصوصاً مع تلويح أميركا بعودة الخيار العسكري ضدّ إيران، يكشف ضوءاً أخضرَ أميركياً لدعم مهمّات التحالف البحري بقيادة السعودية، ومن ثمّ تهيئتها لتولّي مهمّة تعطيل التهديدات البحرية للجماعة.

 ويوازي هذا التطوّر تفعيل السعودية استراتيجيةً دفاعيةً مع حليفها الأميركي لتحجيم تهديدات وكلاء إيران واضعاف مقدرتهم العسكرية. تمظهر ذلك في تنفيذ عملية عسكرية مشتركة استهدفت البنية التحتية للفصائل العراقية، 

إذ يُقرأ انخراط السعودية في معادلة الردع ضدّ وكلاء إيران، لا باعتباره فقط تحوّلاً في آلياتها الدفاعية، بل تنوعاً في أدواتها واتساع نطاقاتها الجغرافية من اليمن إلى الجبهة العراقية.

 فإلى جانب أنّ استهداف الفصائل العراقية يشكّل رسالةً تحذيريةً لإيران والجماعة بتبعات ربط الجبهة اليمنية بالعراقية، أي وحدة الساحات، فإنّه يمنح السعودية خيارات عديدة للتعاطي مع تهديدات وكلاء إيران لمصالحها، أي تنفيذ هجمات مشتركة مع أميركا ضدّ الفصائل العراقية، 

ومن ثمّ تحييد الدور الأميركي المباشر في اليمن، على الأقلّ في الوقت الحالي، مقابل تكفّل السعودية بردع الجماعة، وفي ذات السياق إدارة الصراع اليمني وضبطه في ضوء تحوّلات معادلة التصعيد ضدّ إيران ووكلائها، بما في ذلك بالطبع جماعة الحوثي.

لا يمكن قراءة تحوّل الاستراتيجية السعودية في إدارة الملفّ اليمني، والأهم المسألة الحوثية، من دون التطرّق إلى تحوّلات أكثر جذرية مكّنتها كما يبدو من تغيير مقاربتها التقليدية، بما في ذلك تنويع أوراقها واتخاذ مواقف أكثر جدّية من الجماعة. 

وفي هذا السياق، يشكّل تحالفها مع باكستان نقطةً مفصليةً في عصب السياسة السعودية الجديدة في اليمن، بما يتضمّنه ذلك من استثمار التحالف المشترك على الصعيد السياسي والعسكري والأمني، 

إلى منح حليفها دوراً وظيفياً لشغل الفراغ العسكري في نطاقات جغرافية يمنية تتماسّ مع المجال الحيوي السعودي، وكذلك مصالحها المباشرة، فضلاً عن صيانة مقدّرات وكلائها في اليمن،

 فإضافة إلى امتيازات باكستان قوّةً نوويةً، وما يعنيه ذلك من تحسين السعودية لمعادلة ردعها ضدّ خصمها الإيراني للتأثير بوكيلها في اليمن، جماعة الحوثي، فإنّ اعتماد السعودية على باكستان شريكةً موثوقةً لا تمتلك أجندةً سياسيةً في اليمن،

 وتتحرّك وفق أهدافها، قياساً بحليف غير مؤتمن مثل الإمارات، يتيح للسعودية إلى حدّ كبير تجنّب تحدّيات عسكرية في مواجهة وكلاء الإمارات في حال تبنّي خيار الحسم العسكري ضدّ الجماعة، إلى جانب استثمار القوّة الباكستانية: أي مقدّراتها العسكرية وخبرات قواتها القتالية، لتأمين عمقها من هجمات الجماعة. 

ولأنّ الأولوية السعودية تتمثّل بالمعادلة الأمنية، وتحديداً عند حدودها البرية الجنوبية مع اليمن، فقد استعانت بالقوات الباكستانية لتأمين حدودها من خلال التموضع في نقاط التماس الحدودية مع الجماعة، ولأنّها قوات مُدّربة على حروب نظامية وعلى حروب العصابات مقارنةً بالقوات السودانية في اليمن،

 فإنّ ذلك يوفّر للسعودية فرصاً متفوّقةً لصدّ هجمات الجماعة، برّياً أيضاً. ولأهمية الحدود الشرقية اليمنية بالنسبة إلى السعودية، أي حضرموت وكذلك المهرة، خصوصاً في ظلّ التصعيد العسكري الحالي في الجبهات الداخلية، عزّزت السعودية من تمركز القوّات الباكستانية في هذه المناطق، بما في ذلك تأمين المنشآت الحيوية في حضرموت، بحرياً، 

وبالتزامن مع التوتّرات في البحر الأحمر، ومضاعفة السعودية وجودها العسكري في باب المندب، أي في الضفّة اليمنية، شكّلت القوات الباكستانية عامل تدعيم عسكري وأمني ولوجستي أيضاً، محلّياً وعلى صعيد وكلاء السعودية (سلطة المجلس الرئاسي). وترافق تغيير مقاربتها وتحالفها مع باكستان تقديم دعم عسكري لوكلائها. 

ومع احتكار السعودية للقرار العسكري، فإنّ إدارة العمليات العسكرية لقوات المجلس الرئاسي في هذه المرحلة يكشف إلى حدّ كبير مفاعيل الدور الباكستاني، وتحديداً تصدير سلاح الجو اليمني في معادلة الصراع المحلّي، وأيضاً مقدّراته العسكرية.
 
فإلى جانب طبيعة الهجمات الجوية النوعية التي تؤكّد تدريباً خارجياً، فإنّ إدارة الغارات في سياق توزيع الأدوار بين سلطة المجلس الرئاسي والسعودية تؤكّد آليةً جديدةً، ومن ثمّ خبرات باكستانية. 

ومع أنّ السعودية شنّت غارات جوّية على مناطق شاسعة من الجوف ومأرب إلى الضالع وتعز، فإنّ التناقض في نسبة الهجمات للجهة المنفّذة، سواء في الإعلام السعودي، أو إعلام وكلائها، عدا تبنّي السعودية قصف مدينة الحديدة وجزيرة كمران، يكشف تحوّلاً نوعياً في إدارة العمليات الجوية في هذه المرحلة، وربّما في المستقبل، 

أي الزجّ بسلاح جو منسوب إلى حليفها المحلّي في الهجمات على قوات الجماعة، وهو ما يتيح للسعودية تركيز عملياتها العسكرية النوعية لردعها، وكذلك، وهو الأهم، إعفاء نفسها الآن أو في المستقبل من أيّ مسؤولية سياسية أو أخلاقية أمام المجتمع الدولي إن قُتل مدنيون في هذه الغارات.

إن بيئة إقليمية متجاذبة قائمة على بنية الصراعات والتحالفات، تلقي تبعاتها الكارثية، أولاً وأخيراً، على البلدان الهامشية التي تفتقر إلى السيادة، وباتت وظيفياً مادّةً لاستعمالات قدرة الأضداد وأهدافهم، فتتحوّل الجغرافية إلى ورقة للضغط وشنّ هجمات خارجية، كحالة إيران وجماعة الحوثي، وكذلك ساحةً لردّ الأذى وتثبيت قوّة الردع بالنسبة إلى السعودية ونفوذها في اليمن. 

ومع أنّ المعطيات على الأرض، حتّى الآن، تؤكّد التهيئة لدورة حرب شاملة، برّياً وربّما بحرياً أيضاً، فإنّ الأكيد أنّ موازين القوى بين الفاعلين قد تغيّرت تماماً، وكذلك قواعد الاشتباك ونطاقاته، وإنّ من الصعب التكهّن بمساراته ونتائجه. ومن ثمّ، وفي ظلّ حالة اللايقين، يبقى الخوف من خيار الحرب الشاملة، ومن تدحرج كرة النار سواءً في اليمن أو في الإقليم.

* كاتبة وناشطة يمنية