Logo

من نيويورك إلى تورنتو رحلة مع عالم تغير في ثلاثين عاماً

 حين استعيد السنوات الثلاثين الماضية، لا أجد انني انتقلت فقط بين مدن وبلدان مختلفة، بل اشعر انني عبرت مراحل متلاحقة من حياتي المهنية والشخصية، بالتزامن مع عالم كان يتغير أمام عيني بسرعة مذهلة. 

ففي منتصف التسعينات كنت في نيويورك للعمل في البعثة الدائمة لبلادنا لدى الامم المتحدة، وهناك انشأت أول بريد الكتروني لي في حياتي مستخدما جهاز كمبيوتر كبيراً، كان يحتاج إلى مكان خاص للجلوس أمامه.. 

وكان مجرد إرسال رسالة عبر الانترنت، يبدو يومها انجازاً تقنياً مثيراً.  

لم نكن نتصور أن تلك البداية البسيطة ستقودنا بعد ثلاثة عقود إلى عالم نحمل فيه داخل جيوبنا جهازاً صغيراً، نستطيع من خلاله ان ندير معظم تفاصيل حياتنا.

 وربما لو اخبرني احد يومها أن الهاتف سيصبح يوماً مكتبي وبنكي ومتجري ووسيلة عملي وإتصالي بالعالم، لاعتبرت ذلك اقرب إلى الخيال.

وفي بداية الالفية انتقلت الى القاهرة، للعمل في بعثة اليمن لدى جامعة الدول العربية، وكان الأنترنت ينتشر بصورة اوسع. 

لكن الحياة اليومية كانت لا تزال قائمة في معظمها على العلاقة المباشرة بين الناس، تذهب الى البنك فتقابل موظفاً، وتراجع مؤسسة فتجلس امام شخص، وتشتري احتياجاتك من متجر تعرف فيه البائع، وربما تتبادل معه الحديث قبل ان تغادر..

 ثم انتقلت عام 2007 الى اليابان للعمل في سفارة اليمن في طوكيو وهناك شاهدت صورة اكثر تقدماً للمستقبل.

 فقد كانت التكنولوجيا حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية وكنت اشاهد معظم القنوات عبر الانترنت وارى كيف يمكن طلب الكثير من الإحتياجات والخدمات عن طريق الشبكة. 

وكانت اليابان بالنسبة لي آنذاك نافذة مبكرة على عالم جديد، وما كان يبدو متقدماً واستثنائياً هناك، أصبح بعد سنوات قليلة جزءاً عادياً من حياة الناس في مختلف أنحاء العالم.

وفي بداية عام 2012 انتقلت الى لبنان للعمل في سفارة اليمن في بيروت، وكان الهاتف الذكي ووسائل التواصل الإجتماعي، قد بدآ يعيدان تشكيل علاقتنا بالزمان والمكان لم يعد البعيد بعيداً كما كان. 

ولم تعد الحدود الجغرافية تعني الإنقطاع عن الأصدقاء والعائلة والعمل والأخبار، اصبح العالم حاضراً معنا طوال الوقت، ثم أندلعت الحرب في اليمن عام 2015 لتتغير معها أشياء كثيرة في حياتنا.. 

ولم تعد التحولات التي أعيشها مرتبطة بالتكنولوجيا وحدها، بل أمتدت إلى المسار الشخصي والمهني نفسه.  

وفي تلك السنوات، كنت أرى أيضاً كيف أصبحت وسائل التواصل جزءاً من الأحداث السياسية، والحروب وصناعة الراي العام، وكيف أنتقل الخبر من الصحيفة ونشرة التلفزيون الى هاتف كل إنسان.

وفي عام 2019 انتقلت الى تورنتو في كندا للعمل في القطاع الخاص، وكانت تلك بدورها بداية مرحلة مختلفة تماماً في حياتي. 

وبعد فترة قصيرة جاءت جائحة كوفيد لتسرع التحول التكنولوجي بصورة ربما كان يحتاج في الظروف الطبيعية إلى سنوات طويلة.

 فتحولت الشاشات من وسيلة مساعدة، الى جزء أساسي من الحياة، وصار العمل والإجتماع، والدراسة والتسوق والخدمات والمراجعات، تتم عن بعد. 

واليوم وبعد سنوات من تلك المرحلة، أجد ان معظم ما أحتاج اليه يمكن انجازه من هاتفي، أدفع الفواتير وأشتري احتياجاتي، وأجري معاملاتي البنكية، وأحجز المواعيد وأتابع شؤون العمل، وحتى طلب الإجازة والمراجعات تتم من خلال الهاتف..

 وقد يمر يوم كامل أنجز خلاله العديد من الأمور، دون أن أحتاج الى الجلوس أمام موظف، أو التعامل مباشرة مع شخص ، وكأن الهاتف تحول من مجرد وسيلة للإتصال الى مكتب وبنك ومتجر ومؤسسة وعالم كامل، نحمله معنا أينما ذهبنا.

وبعد هذه الرحلة من نيويورك، الى القاهرة، ومن طوكيو الى بيروت، ثم تورنتو لا أستطيع القول أن الماضي كان أفضل، ولا أن الحاضر أسوأ ..

فلكل مرحلة مكاسبها وخسائرها، لقد منحتنا التكنولوجيا حرية كبيرة، وأختصرت المسافات، ووفرت الوقت والجهد ، وجعلت المعرفة والخدمات والعالم كله أقرب الينا.. 

لكنها في المقابل أخذت شيئاً من بساطة العلاقات، ومن دفء اللقاء الإنساني، وأصبحنا نتواصل مع أعداد أكبر من البشر، بينما قد نقابل عددا أقل منهم وجها لوجه.. 

وربما تكون المفارقة التي تستحق التأمل، أنني قبل ثلاثين عاماً كنت في نيويورك أحتاج إلى جهاز كمبيوتر كبير كي أرسل بريداً الكترونياً وأحداً، واليوم في كندا أحمل عالماً كاملاً في هاتفي.. 

لكن السؤال، لم يعد ماذا تستطيع التكنولوجيا أن تقدم لنا بعد كل ما قدمته، بل كيف نستطيع نحن أن نحافظ على انسانيتنا وعلاقاتنا المباشرة، في عالم يتجه بسرعة نحو انجاز كل شيء من خلف الشاشات.. 

فقد يأتي يوم يصبح فيه الوصول إلى أي شيء أسهل من أي وقت مضى، بينما يصبح اللقاء الحقيقي بين إنسان وإنسان هو الشيء الأصعب والأكثر ندرة..

* سفير بوزارة الخارجية